الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ٤٠٤مع بعض أشراف قريش يستميله إلى الإسلام استمالةَ رجاءٍ أن يعزّ به الإسلام؛ فقد كان ذلك من باب الحرص على إسلام قومِه، كما وصفه الله تعالى به في قوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:6]، فخصّ هذا الأعمى، وهو لا يشعر بمكالمة النّبيّ - عليه السلام - ذلك الرّجل؛ فاشتد ذلك عليه؛ إذ(1) كان قطعًا لكلامه، وإفسادًا لِمَا كان يحاوله مِن إسلام ذلك الرّجل؛ فأعرض عنه وعبس؛ فنهاه اللهُ عنه، وأمره بالإقبال على مَن أتاه مِن شريفٍ ووضيع، وغنيّ وفقير، وأن لا يخصّ بدعوته شريفًا دون دنيّ، ولا فقيرا دون غنيّ؛ إذ(2) التّبليغ للكلّ كان هو الواجب عليه دون القبول، فلم يكن عليه في امتناع مَن يمتنع عن قبول دعوته تَبِعة، ولا عُهدة.
ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام:52] الآية؛ قالوا: فكان النّبيّ 203 س يطرد المؤمنين، وطردهم كانت كبيرة.
الجواب: هو أن ليس في الظّاهر أنّه طرَدهم، وإنّما فيه النّهي عن طردهم، بل فيها الدّلالة على أنّه لم يطردهم، وهو قوله تعالى: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:52]؛ فلو كان طردهم لكان الواجب: أن يقول: "فطردتهم فكنت من الظّالمين"، ولا تعلّق بالنّهي في ذلك؛ لأنّ النّهي لا يدلّ على أنّ المنهيّ قد ارتكب ما نُهيَ عنه؛ لأنّ النّهي يجب أن يتقدّم الارتكاب؛ إذ لو لم يتقدّمه لم يكن المرتكب منهيًّا عنه؛ وإذا وجب تقدّم النّهي على الارتكاب؛