الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ٤٠٥سقط التعلّق بما نُهي عنه، ولو دلّ على ذلك؛ لَوجب أن يكون جميع الأنبياء والمؤمنين مرتكبين للكبائر؛ لِنهي الله تعالى الجميع عن ذلك، وقد نهى الله تعالى نبيَّه - عليه السلام -، وإن لم يرتكبها، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [القصص:87]، وكذلك قوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾ [الكهف:28]، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [القلم:8]، ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ﴾ [القلم:10].
فإن قيل: فما الفائدة في تخصيص طردهم بالنّهي، إن لم يكن فاعلا لذلك؟ قيل له: الفائدة في ذلك، كالفائدة في سائر ما نهاه عنه مما ذكرناه، ويجوز أيضًا أن يكون أشار به قول المنافقين على النّبي - عليه السلام - بذلك مظهرين أنّ /204 م/ تقريبه إيّاهم مما ينفّر السّادة والأشراف عنه، ونهاه الله تعالى عن قبول قولهم؛ فيكون ذلك زجرًا(1) للمشيرين عليه به، وإبطالاً لقولهم؛ إنّما أرادوا من تنفير المسلمين عنه بمثل هذا الكيد؛ فجعل ذلك ردعا وإياسا مِن أن ينفذ لهم حيلة بمثل ذلك في توهين الإسلام، والتّنفير لهم، والتّفريق بين المؤمنين، وبين النّبي - عليه السلام -، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر:88]، مع قوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة:128]، وإذا كان كذلك؛ سقط تعلّقهم.
ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة:117] الآية، فبيّن أنّه تاب على النّبيّ، وبيّن أنّه بعدما كاد تزيغ قلوب فريق منهم؛ فهذا يوجب أنّه أذنب، وإلاّ لم يكن لهذا الكلام معنى.
(1) هذا في ث. وفي الأصل: زجر.