قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 06

الجزء ٦ · صفحة ٤٢٧

ملِكين(1)، ليدلّ على أنهما من الإنس، وإنما جاءت بالفتح أيضا دلالة عن الإخبار عنهما في أفعالهما بذلك العلم أفعال الرّوحانية، مِن خرق العادات، وإخبارًا عنهما بصفاء نفوسهما، وطهارة قلوبهما؛ فاكتفى بالدّلالة على ذلك بتسميتهما ملكين باسم الملائكة، ولو كانا في الأصل من الملائكة لم تجز القراءة بكسر اللاّم، وقد اتّفقت العلماء القراء على جواز ذلك، ولا يصحّ لهم ذلك إلاّ أن يكونا معهم أنّهما من الإنس.

والدليل الثّاني: قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ [البقرة:102]، فلو كانا مِن الملائكة، لقال وما نزل به الملَكان؛ لأنّهما هما نزلا بذلك، لا أنزل عليهما؛ ولَمّا قال أنزل عليهما؛ دلّ على أنّهما من الإنس، وغير هذا غير صحيح، وما التّوفيق إلاّ بالله.

مسألة: ومن كتاب ركن الدّين: فيما قالوه في الملائكة ? تقدّم أوّلا ما وصف الله تعالى به ملائكته ?؛ فمن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:19،20]، وقال أيضا تعالى في صفاتهم: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ الآيات [الأنبياء:26،27]، وقال أيضا تعالى: ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ /216 م/ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التّحريم:6]، وقال أيضا تعالى: ﴿فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْ‍ئَمُونَ﴾ [فصّلت:38]، وقال أيضا

- جل جلاله -: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النّحل:50]، وقد بيّن الله تعالى الفرق بينهم وبين الجنّ، وأنّهم ليسوا مِن الجنّ، بقوله تعالى مخاطبا للملائكة في دار الآخرة في الموقف: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ:40]، ثم ذكر جواب الملائكة ? الذين يجيبون الله تعالى(2) به: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:41]؛ فلو كانت الملائكة من الجنّ، أو الجنّ منهم؛ لم يكن قولهم(3): ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ نفيًا لعبادتهم إيّاهم.

وإذا قدّمنا ما يجب تقديمه في هذا الفصل؛ فنذكر ما يتعلّق القوم به في بابهم؛ فأوّل ذلك الرّدّ على الحشوية المفترية على الله، وعلى ملائكته، ورسله ? في زعمهم أنّ إبليس كان من الملائكة؛ فكفر واستكبر وعصى، وأخرج من بينهم، وأهبط إلى الأرض، وتعلّقوا في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِأدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [البقرة:34]، قالوا: فلمّا(4) استثنى إبليس من جملتهم؛ دلّ على أنّه منهم، ومن جملتهم.

الجواب: إنّه لا خلاف في كفر إبليس، وإنّما الخلاف في كونه مِن الملائكة، والذي يدلّ على أنّه ليس منهم، قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف:50]؛ فصرّح بأنّه من الجنّ، والجنّ ليس216 س من الملائكة على ما بينّاه؛ فإبليس ليس من الملائكة.

(1) "قرأ ابن عباس، والحسن، وأبو الأسود الدّؤلي، والضّحّاك، وابن أبزي: (الملِكين)، بكسر اللاّم"، تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي، 1/ 497.

(2) زيادة من ث.

(3) في النّسختين: لقولهم.

(4) هذا في ث. وفي الأصل زيادة: فما.

٢٬٧٩٤ / ٣٦٬٧٥٥