قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 06

الجزء ٦ · صفحة ٤٢٩

وبعدُ؛ فإنّ قوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾، ينبئ(1) عن أنّه لم يكن منهم، حيث بيّن كونه من الجنّ؛ لسبب عصيانه، وقرن بكفره وفسقه، كيلا يؤدّي ذلك إلى دفع ما أخبر به من طهارة الملائكة، وبُعدِهم من العصيان والتّمرّد؛ فأما تعلّقهم بقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِأدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [البقرة:34]، فليس يوجب كونه منهم بذلك؛ لأنّه ليس في إخباره أنّه أمر الملائكة بالسّجود، ما ينفي كونهم غير مأمورين؛ فإنّ المتروك لا يجب أن يكون خلاف المذكور، بل يجوز أن يكون داخلا في حكم المذكور، بل ويجوز أن يكون خارجًا، وإنّما هو موقوف على الدّليل؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون:51]، وغير الرّسل داخل في هذا الحكم، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال:20]، ويجب على غير المؤمنين أن يطيعوه ويطيعوا رسوله على أنّا نبيّن جواز الاستثناء من غير الجنس المذكور في اللّغة، فإذا كان كذلك، ودلّ الدّليل على أنّه ليس مِن جملتهم، سقط التعلّق بالآية، والذي يدلّ على جواز استثناء الشيء من غير الجنس المذكور قوله تعالى: ﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم:62]، والسّلامُ ليس من اللّغو؛ وقوله تعالى حاكيا عن إبراهيم - عليه السلام -: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:77]، فاستثنى /217 م/ ربّه من جملة أعدائه، وليس الله تعالى من جنس خلقه، وقد جاء في غير القرآن وذلك كثير.

قال الشّاعر:

(1) في النّسختين: ينبني.

٢٬٧٩٥ / ٣٦٬٧٥٥