قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 06

الجزء ٦ · صفحة ٤٣٤

ذلك، فأنزل الله تعالى مَلَكَين يعرّفان النّاس كيفيّة مخاريقهم(1)، ويكشفان عن تموههم؛ كي لا يغترّ بذلك مغترّ، وليبيّن للنّاس كذبهم، وقد بيّنّا أنّ تعليمهما للنّاس كان على ذلك الوجه، فإنّ التّعليم على ذلك الوجه حسن غير قبيحٍ، لا يلزم فيه لائمة.

فإن قيل: كيف جاز إنزال الملكين مع قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [الأنعام:8] الآية؟ قيل له: يجوز أن يكونا أنزلا على صورة رجلين مِن البشر؛ فلا يوجب ما ذكرتَ، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام:9]، ويجوز أن يكون ذلك في أيّام سليمان - عليه السلام -، حيث الجنّ والشّياطين فيه ظاهرة؛ فكان إنزال الملك في ذلك الوقت لا يوجب ما ذكرتَ، وجاز أيضًا أنّه كان أنزلهما على الجنّ دون الإنس؛ ليعرف الجنّ ما كانت الشّياطين تلبس عليهم مِن السّحر، وهذا أقرب الوجوه.

فإن قيل: كيف يجوز إنزال الملكين في صورة رجلين، مع قوله تعالى: ﴿لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام:9]؟ قيل له: إنّ التّلبيس في ذلك إنّما يقع متى ما أنزل ملَكًا في صورة رجلٍ، وبعثه رسولاً؛ فمعنى الآية: أنّه لو أنزلته في صورته؛ لارتفع 219 س الإنظار، ولو أنزلته في صورة غيره، وهو صورة رجل من البشر؛ لكان يقع من التّلبيس ما يقع في الرّسول مِن البشر؛ إذ ليس تدلّ بصورته على كونه رسولاً؛ فالتّلبيس إنّما يقع متى ما ادّعى الملك أنّه ملك، أو رسول، وهو في صورة الإنس.

(1) في الأصل: مجاريفهم. وفي ث: محاريفهم. مع عدم تنقيط الفاء في النّسختين.

٢٬٨٠٠ / ٣٦٬٧٥٥