الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ٤٣٦كثيرة، فلمّا جعل ذلك عبارة عن السّحر، وقوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة:102]، كأنّه قال يتعلّمون منهما السّحر؛ فلمّا جعل ذلك عبارة عنه، ولم يكن السّحر مقصورًا عليه؛ وجب أن يكون عبارة عنه من جهة كونه كفرًا مُوجبًا للتّفريق بين الزّوجين من جهة الدّيانة، وهذا ظاهر؛ فسقط التعلّق بذلك.
وثانيها: هو أن يكون قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ [البقرة:102]، عطفا على قوله: ﴿مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة:102]، أي: افتروا على ملك سليمان، وعلى ما أنزل على الملكين، ويجوز أن يكون ما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾، معطوفا على قوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [البقرة:102]، كأنّه قال: لم يكفر سليمان، ولم ينزل على الملكين، وما فيهما حجّة، وذلك أنّ السّحرة كانت تضيف السّحر إلى سليمان، وتزعم(1) أنّه ممّا أُنزِل على الملكين ببابل هاروت وماروت، وأنّهما يعلّمان النّاس السّحر مثل ما يزعمه هؤلاء الحشوية، فردّ الله تعالى عليهم، 220 س وبيّن أنّ سليمان لم يكفر، وأنّ السّحر عليهما لم ينزل؛ فيكون قوله في هذين الوجهين ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ [البقرة:102]، ما جحد(2) أيضا، أي: لا يعلّمان أحدا، بل ينهيان عن ذلك أشدّ النّهي.
وأمّا قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة:102]؛ فمعناه: أنهما ينهيان عن ذلك، ولا يعلّمان أحدًا منه شيئًا، ﴿حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ أي: ابتلاء وامتحان؛ فلا تكفر، وهذا نحو قولك ما أمرت فلانا بكذا، حتّى