قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 06

الجزء ٦ · صفحة ٤٤٣

الصّلاة والسّلام؛ لأنّ الأنبياء قد ابتلوا بالشّهوات، ومخالفة الأهواء المضلّة، والشّياطين من الإنس والجنّ، وبالدّنيا وزخرفها، وبإرشاد مَن قدروا على إرشاده مِن الخليقة؛ فصبروا على مخالفة ما أمرهم الله بمخالفته، وابتلاهم بمفارقته؛ فصاروا طول حياتهم في أيّام تعبّدهم إلى انتهاء مماتهم يجاهدون أنفسهم الأمّارة بالسّوء، وأهويتهم المضلّة، وشياطينهم المغوية، ودنياهم المزخرفة المتبخترة في خيال السرور، المتدلية بحبال الغرور، وبمعاندة مَن خالفهم، وقاتلهم مِن الكفّار والمشركين أشدّ المجاهدة؛ لقول النّبي - عليه السلام -: «رجعنا مِن الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»(1)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس الشّديد من يصرع الرّجل، وإنّما الشديد من يصرع هواه؛ فيقمعه»(2)، والملائكة بمعزل مِن هذه المحن والبلايا والفتن؛ لأنّهم قد خُلقت لهم عقول بلا شهوات، ولم يبتلوا بها كما ابتلي بنو آدم، ولم يكن للشّيطان عليهم سبيل، ولا في الدّنيا لهم مأرب، وإنّما هم قابضون على عنان 223 س العبادة فقط، لا تشغلهم مجاهدة هذه المهلكات، ولا مكافحة المضلاّت.

وأظنّ ظنّا أنّ علمهم لا يكون إلاّ وحيا لا باجتهاد وتعلّم، وكذلك عقولهم لم تكن باكتساب وتحلّم، وإنّما هي جِبِلّة وخلق؛ لأنّهم مشغولون بالعبادة مجبولون عليها، وليست معهم كتب؛ فيتداولونها، ولا مدارس؛ فينتهون إليها، ولا معالمة؛ فيستقون منهم، والعلم يحتاج إليه المتعبّد المأمور المنهيّ؛ ليقف على حقيقة ما أُمر به، وما نُهي عنه، وليعرف من أمره ونهاه، وليعرف ربّه، وأمّا بنو آدم فإنّهم لم

(1) أخرجه كل من: البغدادي في تاريخ دمشق، رقم: 4590، 15/ 685؛ والسيوطي في الدرر المنتثرة، رقم: 245. وأخرجه بمعناه: البيهقي في الزهد الكبير، رقم: 373.

(2) أخرجه بمعناه كل من: الربيع، كتاب الأيمان والنذور، رقم: 710؛ والبخاري، كتاب الأدب، رقم: 6114؛ ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، رقم: 2609.

٢٬٨٠٩ / ٣٦٬٧٥٥