الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ٤٤٤تكن عقولهم وعلمهم إلاّ استدرارا واكتسابا، شيئا بعد شيء، فمنها يزيد بالنّقل، ومنها بالعقل من بعضها بعض، بكثرة الممارسة والمجاهدة، ولم يكن في بدء الأمر إلاّ قدرا يسيرا، ومنهم من يستمدّ بنور ربه، يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، ومنهم مَن يغترف من بحار علمه، حتّى منهم [من] كان له ملك يسدده، ومنهم من دون ذلك على قدر اجتهاده، ورزقه من ربّه، وتوفيقه له تبارك وتعالى، وأين رتبة المبتلى الصّابر مِن رتبة المعافى الشاكر؟! فبينهما البون العظيم عند مَن انفتحت بصيرتُه، وينبئك عن ذلك أنّهم يكونون في الجنّة ثوابًا لأولياء الله تعالى لا مثابين، وآخرون منهم عقابا لأعدائه ليسوا بمعاقبين؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ /224 م/ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:24]، وقال في ضدّهم: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ [التحريم:6]، ولعلّ الثّواب إنّما يكون على قدر الصّبر على ترك المناهي، وعلى الصّبر على البلايا، أكثر من الثّواب على امتثال الأوامر؛ بِمَا في ذلك مِن مخالفة النّفس وهواها ما لا يكون في الآخر، وقد يكون ذلك النّهي أثقل على النفس من الأمر، وناهيك مِن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:10]، مع الآيات التي وردت في فضل الصّبر، وجزيل ثوابه، حيث ذكره في نيف وسبعين موضعًا، وفي كتابه كلّها محمودة؛ كذلك العقاب إنّما يكون على قدر الجرأة على المعاصي، وارتكاب الكبائر أكثر مما يكون على ترك الأوامر مِن الصّلاة والصّوم، حتّى قبول التّوبة، إذا صحّت بجميع شروطها، يكون من ذلك أرجى؛ لأنّ حقوق الله تعالى أقرب