الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ٤٤٥إلى الغفران عند التّوبة الصّحيحة، وأرجى إلى العفو من الله تعالى؛ فانظر إلى شياطين الإنس كم(1) تراهم يصلّون ويصومون ويحجّون ويقرؤون القرآن، ويتعلّمون العلم، ويطالعون الكتب، ويختلفون إلى العلماء؛ فلم ينفعهم ذلك، حيث لم ينتهوا عمّا نهاهم اللهُ عنه من قبيح السيّئات، وانتهاك المحارم والخطيئات، وارتكاب الكبائر، وإصرارهم على الصّغائر، وكان ذلك أثقل على نفوسهم تركه واجتنابه، 224 س وكانت الأوامر أخفّ على النّفوس الأكثر منها، والأولياء والعلماء والصّالحون أشبه بالأنبياء والرّسل، من الماء بالماء، ومن الغراب بالغراب؛ لأنّهم لم يعلوهم إلا بدرجة النّبوّة التي ليست مِن فعلهم، بل من اصطفاء الله تعالى إيّاهم، والله يختصّ برحمته من يشاء؛ ومن ثَم أنّه قيل: إنّ العلماء ورثة الأنبياء، والوارث قريب من الموروث(2) في هذا المعنى؛ لأنّهم لم يخلِّفوا دينارًا ولا درهمًا، وإنّما خلّفوا العلم؛ فمن أخذ العلم بحقّه، وعمل به، واقتبس بنورهم، واقتفى أثرهم؛ فقد ورثهم، وقد أمره الله تعالى بذلك حيث قال: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:90]؛ فقد بيّنّا هذا، وأطلنا القول فيه مِن غير استخفاف منّا بفضل الملائكة عليهم، حيث أنّهم كرام بررة، وقد اصطفاهم الله تعالى، ووالاّهم، وشرّفهم واجتباهم، ولا نخطّئ مَن يقول أنّهم أفضل من بني آدم، ولا تزكية منّا لأنفسنا، ولا ترفّعا(3) منّا عليهم، حيث إنّهم ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:6]. وفي موضع آخر: قال: {يُسَبِّحُونَ