قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 06

الجزء ٦ · صفحة ٤٦٤

ومن كتاب السّؤالات: كلّ نبيّ أرسل إلى بني آدم والجنّ هل علينا معرفته؟ قال: لا، إلاّ محمّدا - عليه السلام -؛ فقد اجتمعت الأمّة على أنّه أرسل إلى النّاس كافّة، والجنّ كافّة، أمّا إلى الجنّ؛ فيقول الله - عز وجل -: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف:29]، كما قدّمنا قبل هذا.

وجدتُ في الأثر: إنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج هو وعبد الله بن مسعود (خرجا ذات ليلةٍ حتّى أَتَيَا وادي الجنّ؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن مسعود: «اِجلس أنت ها هنا، ولا تبرح مكانك»، وخطّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حوله خطّه(1)، وأمره لا يبرح، ولا يفزع من الجنّ، وقال: «إنّهم سيأتيك منهم رجال ويفزعونك، ويبرقون عليك أعينهم، ولا يستطيعون أن يخلصوا إليك»؛ فخطّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حوله قدر رمية الخذف(2)؛ فانطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الوادي؛ فدعاهم وقرأ عليهم القرآن؛ فلما حضروه قالوا 233 س أنصتوا؛ فبلغنا والله أعلم أنّ الله تبارك وتعالى أرسل ملائكةً في تلك اللّيلة إلى أطراف الأرض إلى منتهى البحر، وإلى مطلع الشّمس ومغربها فلم يَدَعُوا أحدًا من الجنّ إلا طردوه؛ فجمعوهم في ذلك الوادي، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يراهم لا يخافهم، فلمّا حضروا إذا لهم جَلَبَة وكلام شديد وصوت، حتّى ظنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنّ الأرض ستنصدع من جلبتهم وأصواتهم، فقال المسلمون منهم حين حضروا القرآن: أنصتوا؛ فأبى الفُسّاق منهم أن ينصتوا، فلمّا رأى المسلمون منهم أنّ القوم لا يسكتون، اشتكوا إلى رسول الله

- صلى الله عليه وسلم -؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم اصرف أفواههم»؛ فأوحى الله إلى جبرائيل أن اضربهم؛ فرفع جناحه فضرب أفواههم كلّهم؛ فسكتوا عند ذلك، ثمّ إنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ عليهم القرآن، حتّى كادوا يكونون عليه لبدا؛ أي: جماعات، واحدها لبدة، ومن هذا اشتقاق اللّبود التي تفترش.

ووجدتُ في بعض الكتب: ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:19]. أي: كادوا أن يركب بعضهم أو يركبونه -الشّكّ مني- حرصًا على استماع القرآن؛ فقالوا عند ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لو أنّك مكثت كما مكثت في الإنس؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنّما أُمرتُ أن أبلّغكم» /234 م/ ثم أوصاهم أن يمتنعوا من كلّ طعام وشراب يذكر اسم الله عليه، فقال لهم: «لا سبيل لكم على شيء حرّمه الله على أمّتي»؛ فأطعمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك الليلة طعاما بأن قال لهم: «كلّ روثة تقع لكم من دابّة؛ فإنّها تعود لكم علفا لدوابكم وإبلكم، لا ينقص منه شيء، وكلّ عظم يقذفه بنو آدم يعود لكم لحما لا ينتقص منه شيء، وكلّ ما لم يذكر اسم الله عليه مما حرّم الله على أمّتي؛ فلكم عليه سبيل»؛ فانطلق كلّ مسلم إلى أخيه من الكفّار والفساق، يقولون: ﴿يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا﴾ [الأحقاف:30]، الآيات كلّها ثم انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عبد الله بن مسعود؛ فدخل عليه الخطّة(3)؛ فأيقظه ثم إنّه وضع رأسه في حجر عبد الله بن مسعود، وكان سهر تلك الليلة، فبينما هو كذلك؛ إذ جاءته الملائكة أمثال البحت(4) يطرن بأجنحتهنّ عليهنّ لباس البيض حتّى دخلوا الخطّة، فقال

(1) هكذا في النّسختين.

(2) في النّسختين: الحذف. وفي لسان العرب: "الخَذْف بالخاء فإنه الرَّمْيُ بالحصى الصغار بأَطْراف الأَصابع يقال خَذَفَه بالحصى خذفًا". مادة (خذف).

(3) هذا في ث. وفي الأصل: لخطه.

(4) هكذا في النّسختين. وفي ط: النجب.

٢٬٨٣٠ / ٣٦٬٧٥٥