الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ٤٩٨دلالة، والجواب جواب اعتبار لا جواب حوار، وذلك أنّ الله تعالى خلق كلّ مكلّف خلقة دالّة على خالقه، وألزمه النّظر في مخلوقاته؛ ليدله على صانعه، ولم يأمر أحدًا منهم بتقليد غيره، وكل مكلّف محجوج بنفسه، وسائر ما يشاهده /250 م/ من فنون مصنوعاته؛ فتلك الدلالة القائمة في نفسه، وفي غيره، ناطقة بصنع الله، معبرة عن أن لجميعه خالقًا لا يشبه شيئًا من ذلك يعني؛ "أنّي إنّما بنيت كلّ إنسان هذه البنية الدّالة على الصّانع، وخلقته خلقة دالّة على معرفتي بأنّي خالقه، ليكون كلّ إنسان محجوجا بنفسه، ولا يحيل واحد منهم بشركه على غيره"؛ لأنّه غير مقبول من حيث استوى الكلّ في وجوب النّظر عليه، وفي كونه دلالة على الصّانع، وهذا تفسير مطّرد على نمط واحد، وقد بيّنّا فيما تقدّم أنّهم يجعلون الدّلالة نطقا وقولا، والإشارة كلاما؛ قال الله تعالى مخبرا عن عيسى قال لأمّه: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:26]، قال هذا القول إشارة منها؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم:29]؛ لأنّها لو تكلّمت بما قال لها عيسى بكلام مسموع؛ لكانت أبطلت صومَها، وهذا كثير معروف في الشّعر والقرآن.
ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ﴾ [الأحزاب:7]؛ قالوا: وإنما يريد به تقدّم الميثاق، حيث أخرجهم من صلب آدم - عليه السلام -.
الجواب: إنّه لا دلالة على ظاهره في شيء ممّا قالوه، وإنّما هو تحكّم، ومن أين هذا الميثاق كان في ذلك الوقت؟! وبعدُ؛ فقد دلّلنا على فساد ذلك، وأنّه لا يصلح 250 س أخذ الميثاق في ذلك الوقت؛ فليس يوجب اللّفظ أن يكون أخذ الميثاق عليهم في وقت واحد، في مكان واحد؛ لقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا