الجزء 01
الجزء ١ · صفحة ٢٨٧النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة جاءه براوية(1) خمر يهديها إليه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يا فلان، أما علمت أن الله قد حرمها»، فأمر غلامه فيها بأمر، فقال: «بماذا أمرته؟» فقال: أمرته ببيعها، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ الذي حرم شربها حرم بيعها، وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تصب في بطحاء مكة»(2)، فقالوا: لو كان الخمر ينتفع به في حال ثانية لم يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بإراقته، وهو ينهى عن إضاعة المال، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «بعثت بكسر الصليب، وقتل الخنزير، وإراقة /152 م/ الخمر»(3)؛ ولا يجوز للمسلم إمساكها بعد علمه بتحريمها دون إراقتها.
فالجواب لهم في ذلك: إنّ جلد الميتة قد حرمه الله ورسوله، كما حرم الخمر فمنع من ذلك فإذا جاز الانتفاع به بعد الدباغ، وجاز حبسه بعد التحريم له إلى أن يعالج، فيتغير حكمه فيصير حلالا، فكذلك الخمر يعالج حتى يتغير فيصير حلالا. وجلد الميتة أصل متفق عليه؛ فيجب أن يرد إليه المختلف فيه من الدباغ به، من الخمر؛ كجلد الميتة المحرم يجوز الانتفاع به بعد الدباغ، والله أعلم.
(1) في النسخ: بزواية. والصحيح "راوية" كما في الحديث، عَنْ أَبِي عَامِرٍ الثَّقَفِيِّ، أَنَّهُ كَانَ يُهْدِي لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - كُلَّ عَامٍ رَاوِيَةً مِنْ خَمْرٍ، فَأَهْدَى لَهُ رَاوِيَةً فِي الْعَامِ الَّذِي حُرِّمَتْ فِيهِ الْخَمْرُ، فَقَالَ رَسُولُ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ الْخَمْرَ، فَلا حَاجَةَ لَنَا فِي خَمْرِكَ" … الحديث مرفوع عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ بهذا اللفظ. وعند الربيع: أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَهْدَى رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَاوِيَتَيْ خَمْرٍ، فَقَالَ لَهُ: "أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا؟».
(2) أخرجه بمعناه كل من: الربيع، كتاب الأشربة من الخمر والنبيذ، رقم: 624؛ ومسلم، كتاب المساقاة، رقم: 1579؛ والنسائي، كتاب البيوع، رقم: 4664.
(3) أورده الكندي في بيان الشرع، 1/ 29.