الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ٥٠٩﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا﴾ [النمل:19] على أنّه كلام بالحقيقة؛ لأنّ القول متى كان عبارة عن الفعل والإشارة؛ فكان تبسمّ من حيث أشارت إليهم، بما دلّ على ذلك المعنى، ولابدّ من أن يكون لهم إشارات، وأسباب يفهم بعضهم عن بعض، وإن لم يكن ذلك كلامًا كالحروف مسموعة، ومنظومة مفيدة المعنى.
ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل:16]، قالوا: لولا أنّه للطير منطق معلوم، وكلام مفهوم، ما كان لتعليم الله إيّاه معنى.
الجواب: إنّا بيّنّا أنّ النّطق كلّه ليس هو بكلام مفهوم، وإنّهم يصفون الدلالة، وما به يفهم المقاصد من الإشارات وغير ذلك؛ كلامًا ونطقًا وقولاً، ولابدّ من أن يكون للطّير أسباب يفهم بذلك بعضها عن بعض منطقا، وهو الذي اختصّ سليمان بتعليم الله إيّاه ذلك.
ومنه: ومن ذلك: قوله 255 س تعالى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ:10]، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:11]، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ [هود:44]، قالوا: فأخبر أنّ هذه الأشياء تفهم ما يقال لها، وتجيب عمّا تسأل.
الجواب: إنّ القوم بفساد تعلّقهم، وسوء مذهبهم؛ يرتكبون كلّ فاسد، ويقولون كلّ باطل، ولا يعرفون ما يؤدّي إليه القول مِن لزوم القائل بمثله ارتكاب الجهالات، وتجويز المحالات، ومذهبهم مِن ذلك قريب من مذهب المتجاهلة السّوفسطائيّة(1)، بل هو بعينه، وذلك لأنّه لو كان الجماد مما يفهم الكلام،
(1) في النّسختين: السوفطانية.