الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ٥١٠ويجيب عمّا يُسأل، لم يكن بين الحيّ والجمادِ فرقٌ، وإنّما فرق بينهما من حيث أنّ الجماد لا يشعر بما يحلّه من ضرب وكسر وغير ذلك، ولا يفهم ما يقال له، وبذلك يفرق بين الحيّ والميّت؛ فمن أنزل الميت منزلة الحيّ في العلم والشّعور، والفهم والإفهام؛ أبطل الفرق بينهما، وذلك دخول في مذهب المتجاهلة؛ فلو كان الجماد يفهم عن مَن يخاطبه؛ لوجب أن يفهم عنّا إذا خاطبناه، وأن يجيبنا إذا سألناه، إلاّ أن يدّعي القوم أنّه: يفهم بِلُغة غير معقولة(1)، وخطاب غير معروف، وقد بيّنّا فساد ذلك.
وأمّا معنى هذه الآيات: فقد بيّنّا فيما سلف، /256 م/ ودلّلنا على أنّهم يجعلون الدّلالة والإشارة؛ قولاً، والانفعال لما يفعل به سجودًا وجوابًا، كما قال الله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف:77]؛ فسمّى ميله للانقضاض إرادة، إذا كانت الإرادة لا تجوز على الجدار، والاستحالة بفهم الجواب من الجماد، وإجابته عمّا يسأل أهلَ التّفسير في قوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:82] على أنّ المراد به أهل القرية، من حيث أحالوا سؤال نفس القرية؛ فأما هذه الآيات، فإنّما أخبر عن تكوينه للأشياء بلفظ القول، وعلى سبيل الأمر إخبارًا عن سهولة فعله، وأنّه لا يتعذّر عليه شيءٌ من ذلك، وأخبر عن تكوينه على ما أراد بلفظ الإجابة، وقد بيّنّا في المقدّمات أنّهم يضعون الخبر موضع الأمر تارة، والأمر مكان الخبر تارة، على سبيل الفصاحة، وذلك يسقط تعلّقهم بما تعلّقوا به.
(1) هذا في ث. وفي الأصل: معقول.