الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ٥٢٥ولم يرد الشّاعر أنّ الغراب يشيب، وأنّ القار(1) يصير كاللبن، وإنّما أراد نفي رجوعه إليهم، فعلّقه بما يستحيل كونه، ويقال: "لا آتيك سِنَّ الحِسْلِ"، يعني حتّى يسقط سنّه، ولا يسقط سنّه أبدا، ويقال: "من دون ذلك خرط القتاد"، وهذا الباب معروف فيما بين أهل اللّغة، وهو أشهر وأكثر في أشعارهم، وخطبهم، ورسائلهم، من أن يحوج معها إلى دلالة، وإذا كان كذلك؛ سقط تعلّقهم.
ومنه: ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور:41]؛ قالوا: ولا يصحّ هذا إلا على مذهب أهل التّناسخ.
الجواب: إنّه لا تعلّق فيه؛ لأنّه لم يقل: "قد علم الصّلاة الواجبة عليه"، وإنما قال: ﴿صَلَاتَهُ﴾، والصّلاة أصلها الدّعاء، والدّعاء إنّما يكون لطلب ما يحتاج إليه، والتّسبيح: هو التّبعيد عمّا لا يستحقّه؛ فأراد أنّ كلاّ من الطّير قد علم ما يحتاج إليه، ويطلبه ويدعوه وما يجب عليه الاجتناب منه من مضارّه، وذلك أنّ الله تعالى خلق السّباع والطّيور خلقة تعلم مصالحها، ومضارّها؛ فهي تعلم مصالحها، وتهرب من مضارّها، وليس في ذلك دلالة على شيء من مذهب القوم، ومن أين أنّها إذا علمت صلاتها وتسبيحها دلّت على أنّها نقلت من بدن إلى بدن على سبيل /264 م/ النّسخ؟! فهذا استدلال بعيد.
ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل:68]، فلو لم يكونوا عقلاء؛ لَمَا جاز الوحي إليهم.
(1) القارُ: وهو شيء أَسود تُطلى به الإبِلُ والسُفن؛ يمنع الماء أَن يدخل. لسان العرب: مادة (قير).