الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ٥٤٢أحدها: ما ذكره الخليل في كتاب العين، قال: يُقال لمن تدبّر في أمره نظر نظرة في النّجوم؛ وللعرب في أمثال ذلك ألفاظ يعبّر بها عن معاني، على غير لفظ الظّاهر، فمن ذلك قولهم للنادم: "سقط في يده"، وليس لليد في الندم سبب، ولا فعل، ويقال للشيء الهالك المأيوس منه: "وضع على يدي عدل"، ويقال للباطل: "هد زين (ع: الز) وسعيد اليقين"(1) /273 م/ وهذا كثيرٌ في اللغة.
وكذلك قوله: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُوم﴾ وضع إخبارًا عمّن يدبّر في أمره، ويجوز أن يكون الأصل نظرهم في الطّالع وأحكام النّجوم، والاختيارات، فلمّا كان ذلك كالتّدبير في ابتداء الأسباب، واشتهر(2) ذلك؛ أطلق هذه اللّفظة عن كلّ من يدبّر في أمره، وإن كان غير ناظر في شيءٍ من النّجوم.
ووجه آخر(3): وهو أنّه يجوز أن يكون إبراهيم - عليه السلام - كان تعتاده حُمّى وعلّة؛ فنظر إلى النّجوم ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي قرب وقت علّتي؛ لأنّ الأوقات يعرفها بمجاريها وسيرها.
ووجه آخر: وهو أنّه جاز أن تكون عادة القوم النّظر في أحكام النّجوم، والعمل عليها، وأخذ الطّالع للاختيارات؛ فلما أراد إبراهيم - عليه السلام - التّأخر عنهم؛ لِمَا عزم عليه مِن قطع أيدي الأصنام؛ أخذ الطّالع على عادتهم ورسمهم، يريهم أنّه يختار بذلك ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ لعذره في التّأخّر عنهم؛ فلم يلزم بذلك شيء مما قالوه.