الجزء 72
الجزء ٧٢ · صفحة ٢٨٥والله تعالى عليم حكيم في جميع ما قد قضى به وقدر، ويتعالى عن فعل غير الحكمة، وتكليف عباده ما لا يطيقونه ممّا لا يوصل منهم إلى علمه في جميع ما نهاهم عنه، أو أمر، وهو العالم بذات الصدور، والمطلع على مغيبات الأمور، إذ لا تخفي عليه خافية من مظهور ومستور، وكفى به شهيدا ورقيبا على المجهور به والمستور.
ووجهٌ آخر ممّا يستنبط الحجّة منه لهذا القول قول النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ على المدّعي البيّنة وعلى المنكر اليمين»(1)، فالذي يوافق(2) معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - ويخرج قوله عليه: إنّ اليمين على المنكر فيما لم تقم به بيّنة للمدّعي على المدّعى عليه، وإنّما كانت معدومة غير موجودة ولا مرجوّة، وأمّا ما قامت به البيّنة وصححت أمره الحجّة؛ فليس يمين المنكر فيما يدفع له عن نفسه بشيء؛ لأنّه لا تجتمع بيّنة ويمين في دعوى واحدة، واستعمال المدّعي في استحلاف من ادّعى عليه قبل حضور بيّنته لا يسقط شهادتها فيما قامت به، بل يكون الحكم من الحاكم على الخصم بها أولى؛ لأنّ حجّتها أقوى، فهذا ما تبيّن لي من الحجّة لهذا القول، وبنظر المبتلى بهما بينهما وأيما رآه عدلا /255/ اعتمد عليه منهما؛ لأنّه لا يسعه غير موافقة العدل فيهما(3) ولا في غيرهما، وما قد مضى ذكره من حكم الإقرارين المتقدّمين،
(1) أخرجه بمعناه كل من: الترمذي، أبواب الأحكام، رقم: 1341؛ والدارقطني، كتاب في الأقضية والأحكام وغير ذلك، رقم: 4510؛ والبيهقي في الكبرى، كتاب الدعوى والبينات، رقم: 21203.
(2) هذا في ق. وفي الأصل: يوافقنا.
(3) هذا في ق. وفي الأصل: فيها.