الجزء 75
الجزء ٧٥ · صفحة ٩٨يصح ذلك في محل الندب المشار إليه في الحديث المشهور؛ فحمله(1) على معنى الشفقة والنصح لما عليه العامة من تعاطي الأحوال المنكرة، والنيات الفاسدة غالبا مع عدم القطع عليهم بفساد؛ لأنه من باب النية لا ظاهر البطل ولا السداد، لكن تركه ولو خوفا من الإقتداء مع شم رائحة الجهل والاعتداء /49 م/ مندوب إليه أيضا، وغير بدع وجد أن مثل هذا في شرع، كما تكره القبلة للصائم شابا مخافة أن لا يملك إربه، وما هي في قول السلف إلا كما لو مضمض فاه، فهم لا يحبون بل يكرهون كلما خافوه أن يجر إلى مفسدة، ولو لم تكن في الحال، وإن كان الترك عندهم أفضل لمخافة مثل هذه العلل، فيجوز أنهم لا يحبون ترك الأفضل إلى غيره وإن كان جائزا، وليس في شيء من هذا ما يدل على منع الجواز أصلا، وقد تظاهرت به الأخبار، وتظافرت عليه الآثار، كما رأيت وكفى.
وأما تلاوة القرآن على الميت أو على قبره؛ فهي شيء آخر غير نفس الزيارة. والقول بأن قراءة القرآن في المقابر سنة فيه نظر؛ فإن كان المراد بأنه إحدى السنن الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو غير صحيح، إذ لا نعلم أن أحدا من فرق الإسلام فيما تناهى إلينا، يدّعي على النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه فعل ذلك أو أمر به أو كان في عصره فأقرّه فيعدّ من سنته صلوات الله عليه، وإنما المروي عنه من طريق ابن عباس قال: مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقبور أهل المدينة فأقبل عليهم بوجهه؛ فقال: «السلام عليكم يا أهل القبور ويغفر الله لنا ولكم، أنتم لنا سلف ونحن
(1) هذا في ث. وفي الأصل: فحكمه.