الجزء 77
الجزء ٧٧ · صفحة ٢٢٠حمل أثقال أنواع العبادات على الرضى، فألزمهم كلمة التقوى ودلهم على طريقة المثلى، ولم يتركهم سدى جل وعلا، فبعث فيهم الأنبياء والمرسلين، مبشرين ومنذرين، وبعدهم الخلفاء الراشدين، فحلوهم بالبينات على ما يدعونهم إليه ويدلونهم عليه، كل منهم في يومه بلسان قومه؛ لأجل البيان الموجب لقيام البرهان؛ إذ لا يجوز أن تقوم الحجة عليهم إلا بما يفهمون من القول فيعقلون، حسب ما هم به وعليه من اللغات المختلفة، ولا شك في أنها على اختلافها مؤلفة من ألفاظ مفهومة الحروف معلومة يتفاهمونها فيما بينهم، لفظا يدركونه به معنى هو الغرض لا غيره، إلا أنه لما كان لا قيام له في الهواء إلا قدر ما تأخذ منه المسامع 142 س حظها، وكانت الحافظة لما تودعها إياه المذكورة من المحسوسات بالحواس غير موثوق بها في حفظها لما يعرض لها من النسيان الموكل بالإنسان؛ ولأن بقي فيها فلا زيادة على مدة الحياة وبلوغه مع النطق به لا يجاوز مد الصوت جزما دل على الكتابة بالأقلام بدلا من الكلام، فجعل لكل قوم قلما يكون لهم علما على ما أرادوه بها، نعمة منه عليهم يتوصل بها إلى بلوغ الأوطان من شاسع الديار، وما يكون من الأخبار(1) مع ما يثبت بها من الشرائع الإلهية والأحاديث النبوية والآثار الفقهية، وغيرها من الحكم المودعة في طي الكلم، وجميع ما أريد بها إثباته عن المحابر في بطون الدفاتر؛ ليبقى من الأول للأجر، فقامت بها الحجج، ووضح المنهج، وانقطعت الأعذار لقيام الحجة بالإنذار، وبقي القلم مقيدا بها في الصحف من الأولين لمن أراد أن يرجع إليه لمعنى النظر فيه من الآخرين، أو من في زمانهم من الطالبين، ولولاها لوقع الضرر
(1) هذا في ث. وفي الأصل: الأخيار.