الجزء 07
الجزء ٧ · صفحة ٢٦١كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} [الأحزاب:36] فصحّ أن /351/ قياسات العقول فيما يحتمل كونه وعدمه لا يكون أصولا فيما يخالف فيه التنزيل والسنة، وأمّا فيما يوافقهما فهو منهما، وهما أصلان له، والشرع المسموع يقضي على العقل فيما لا يجيزه العقل أن لو لم يرد الشرع المسموع إجازته، والعقل لا يقضي على الشرع المسموع، والمثال في ذلك أنّ ذبح الأنعام لا يجيزه العقل لو لم يرد الشرع المسموع بإجازته، فلم يقض العقل عليه حتى يحرم، وقضى الشرع بإجازته، وهذا كلام مجمل يقضي إلى مجملات جميع الشريعة أصولها وفروعها، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:121] ففي ظاهر اللفظ يرى العقل أنه لفظ عام، ولكن الشريعة خصت الذبح؛ فقضت الشريعة بتخصيصها عما يرى العقل أحكامه بمعنى الظاهر من معاني اللفظ.
فإن قلت: إن هذا يخالف ما قلته أولا أنّ الشرع المسموع لا يرد بما يمنع فيه العقل؛ قلنا: ليس الأمر كما ظننت؛ لأن ذلك معناه أنه لا يراد فيما تقوم به الحجة من العقل أنه لا يجوز أن يرد عن ذلك؛ لأنه باطل تقوم الحجة من العقل على باطله، وأنه لا يجوز /352/ أن يكون عن الله، كما مثلناه أنه لا يرد الشرع أن لله شريكا، وأن الله يخلف وعده ووعيده وأن يرسل نبينا، وأنّ الحق على خلاف ما يقوله وما أشبه ذلك، فافهم الفرق بين ما يجيزه العقل فيجوز له فيه النظر والاستنباط من الأصول، وهي أحكام العقل، فما لم يخالف الشريعة فهو جائز، وإن خالفت الشرع الوارد فهو باطل، هذا هو المقصود هاهنا إلا ما تقوم به حجة ما لا يجوز خلافه، وبالله التوفيق.