الجزء 07
الجزء ٧ · صفحة ٣١٩في الآخرة؛ لأنّ موسى لو كان معه علم أنه في الآخرة يراه ولم يعلم من نفسه أنه يراه في الدنيا أم لا وسأله لأجل ذلك؛ كيف يجوز لموسى أن يسأل ربه أن يراه في الدنيا ولا يجوز لقومه حيث قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء:153]، وهو مثلهم لا يعلم أنه له حظًّا في الدنيا من الرؤية أم(1) لا، ولو كان كذلك للزمه التأدّب في حضرة الله تعالى، وأن يسأله /435/ سؤال متأدّب: هل لي حظٌّ في الدنيا من الرؤية؟ ولا شكّ أن هذا كفر، قد حكم الله بتكفير من قال ذلك من قومه.
فإن كان موسى سأل قبل قومه أو بعدهم، فحُكم الله في جميع عباده واحد، فقال الله تعالى في نبيه محمد: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:145].
بيان: والحقّ معنا أن النبيّ موسى لم يسأل الله تعالى أن يريه ذاته، حاشاه عن ذلك، ومن وصفه بذلك فقد وصفه بالكفر بالله تعالى، وكفر الواصف له بذلك كفرا عظيما، ولعنه الله وأخزاه إلى يوم الدين، وإنما سأل ربّه أن يريه من قدرته الخارقة للعادة التي لم يؤالفها عقله، فقال تعالى: إنّ قدرتي لا نهاية لها، وإنّك لن تستطيع أن تنظر إلى ذلك، إذ لا يحتمل عقلك، ولكن أريك قدرتي في بعض الأشياء لتعرف ذلك: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ﴾ [الأعراف:143]؛ أي: فلما تجلّى تدبير ربّه بقدرته للجبل جعله دكّا، فلو كان مراد موسى من ربّه تجلّي الذات عليه، وجاء الجواب من ربّه أنه لا يستطيع، والدليل على ذلك أن يتجلّى للجبل، فإن استقرّ مكانه فسوف يراه، لوجب أن الله يتجلّى بالذات أوّلا للجبل حتى يعرف
(1) زيادة من ق.