الجزء 08
الجزء ٨ · صفحة ٤٤كان من السّلطان، أو من أعوانهم الذين لهم القدرة ببسط اليد، والعزّ والقوّة بالحقّ، وكان هؤلاء المجتمعين على المنكر في موضع دعوة المسلمين فيه ظاهرة، وأيديهم فيه قاهرة؛ لم يسع من وافق ذلك ممّن له يد على الإنكار مبسوطة إلا أن يغيّر ما يرى من المنكرات بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم /44/ يستطع فبقلبه، فإن لم يفعل فقد وجدنا عن أبي عبد الله محمّد بن محبوب ? أنّه لا يقدر على البراءة منه، وأحسب أنّه يترك ولايته، وهذا على معنى التخليق بالبراءة، لا على معنى حقائق الأمور، وأمّا في أصل ما تعبّد الله به عباده أن فرض عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ من قدر منهم على ذلك، كما فرض عليهم الصلاة والزكاة وغيرهما من الفرائض، ثمّ أجمع المسلمون أنّه من ضيّع فريضةً بعد القدرة على أدائها بغير عذر؛ فقد واقع الكبيرة، وقد كفر بذلك كفر نعمة لا كفر شرك، إلا أنّه لا يخلق على مسلم حتّى يأتي ما لا مخرج له من الباطل بوجه من وجوه الحقّ، فمن هاهنا وقف المسلمون عن قطع البروات(1) عن مثل ما لم يظهر منه انقطاع عذر حتّى يظهر انقطاع عذر، ثمّ هنالك يخلق عليه بعينه بالكفر، والله أعلم بالصواب.
مسألة: ومن علم من أحد إلحادًا في الله، أو في أسمائه، أو في كتابه، أو فيما لا يجوز أن يقال به، وهو يقدر على إنكاره، ولا يتّقي منه تقيّةً؛ فعليه أن يعلمه /45/ وينهاه، وينكر عليه بلسانه، وإن اتّقى منه تقيّةً أنكر بقلبه، ولا يسعه التغافل عنه، وأشدّ الأشياء الإلحاد في التوحيد، والله أعلم.
(1) البراءَةُ، والجمع البَراءات بالمدّ، والبَرَوات عاميّ. المغرب في ترتيب المعرب: مادة (برأ).