الجزء 83
الجزء ٨٣ · صفحة ١٣٥والعلم بالنّفس، وما يشاهد بالأبصار ونحو هذا. والعلم الآخر ما يعلم بشهادة الشاهدين مع التجويز عليهما بغير ما أظهراه، وكنحو ما سمّاه الله تبارك وتعالى علما كقوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:33]، وإنّما معناه: إن رجوتم عندهم وفاء، وسكنت قلوبكم إلى أنّهم يدفعون ما يكاتبون عليه، ورجوتم ذلك، سمّاه الله علما وهو علم الظاهر، وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا /80 م/ إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة:10]، فأخبر أنّ الذي نرجوه منهنّ بغلب ظنوننا، وتسكن إليه نفوسنا منهنّ، إذا أظهرهن(1) بألسنتهنّ الإيمان، فقد سمّاه الله تبارك وتعالى ذلك علما لنا، وإن كان هو يعلم حقيقة ذلك وحقيقة إيمانهنّ، يقول: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾، يقول: احكموا بظاهر علمكم، وأنا أعلم بصحّة ذلك منهنّ.
ومثل ذلك ما أجازه الفقهاء من أن يتحمّل الرجل الشهادة يكتمها عنده ويحرزها، حيث يرجو الحفظ لها من خزانة له أو نحوها، ثمّ ينسى تلك الشهادة؛ فقد جازوا له أن يشهد بذلك وإن نسي، وأن يرجع فيه إلى ما يجده مكتوبا في خزانته، وإن كانت الشهادة لا تؤدى إلا بعلم مع تجويزه على خزانته، وعلى الموضع الذي أودع فيه تذكرة الشهادة أن يكون قد توقّع عليه من غيره. وكذلك الحاكم يحكم بكتابه الذي يودعه ثقة وإن نسي ذلك، وإن كان لا يحكم إلا بعلم ويقين؛ فقد صار ما يسكن إليه القلب، ولا يكون الريب فيه الأغلب علما، وكذلك ما يراد إليه من كتب الإمام بيد الرسل 80 س إذا وجد
(1) هكذا في النسخ الثلاث. ولعله: أظهرن.