الجزء 08
الجزء ٨ · صفحة ٨٦إلى منزلة النبوّة والاصطفاء التي كان عليه لمّا تاب من الخطيئة، فعلى هذا يقيس من أراد أن يتولّى ببصر نفسه إذا قوي على ذلك، إذا عرف حكم آدم قبل أن يواقع الخطيئة، وكلّ من نزل في منزلته، واتّبع ما أمر الله به من أداء المفترضات، واجتناب المحرّمات؛ فهو مستحقّ للولاية كما استحقّها آدم قبل أن يواقع من ركوب المحرّمات، ممّا نصّ الله عليه في كتابه، أو سنّة نبيّه، أو إجماع الأمّة، ممّا أمره الله بفعله فتركه، أو نهاه الله عن ركوبه ففعله، ثمّ تاب من ذلك توبةً نصوحًا، كما تاب آدم - عليه السلام -؛ فهو يرجع إلى الولاية، فعلى هذا يقيس من يتولّى ببصر نفسه.
وأمّا إبليس، فمن عرف حكم إبليس لمّا خالف ما أمر الله به من السجود لآدم، وتأوّل، وقاس مع وجود النصّ، وقال: خلق من نار، وإنّ آدم خلق من طين، والنار أقوى من الطين، وإنّما عادةً الأقلّ الأنقص يسجد للقويّ الأجل، والنار أقوى صنعًا من الطين، وأدّاه هذا القياس إلى مخالفة أمر ربّه، فمن عرف أنّه تأوّل وخالف في تأويله الحقّ مع وجود النصّ، والتأويل القائم منه فقد استحقّ البراءة، وهذا الباب الذي هلك فيه كثير من الأمّة بتأويلهم، وصاروا فرقًا متباينين من لدن صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا، ثمّ من عرف أنّ إبليس لمّا لم يتب كما تاب آدم، وأصرّ، وطلب النظرة إلى يوم الدين جعله الله إمام المصرّين، فمن أصرّ كما أصرّ إبليس لعنه الله، وأقام على المعصية، كإقامة إبليس؛ لزمته البراءة والكفر والمفارقة، كما لزم إبليس لعنه الله، فمن عرف أن يفرق بين هذين الحكمين، ويميز بين هاتين الصفتين، وعرف أهلها بين المنزلتين؛ جاز له أن يتولّى ببصر نفسه، ويبرأ ببصر نفسه على هذا القول الذي قيل: إنّه من عرف أن يفرق بين حكم آدم - عليه السلام - وبين إبليس لعنه الله تولّى ببصر نفسه، وبرئ ببصر نفسه، وقس على هذا المعنى ترشد إن شاء الله.