قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 08

الجزء ٨ · صفحة ١٤٢

إلا على أولي العقول الضعيفة التي صارت بحدّ في ضعفها لا تهتدي إلى ذلك بغير تعليم وتفهيم من المنقطعين الذين هم لم تتّصل بهم الأخبار، فيكون أوّل ذلك بالسماع، ثمّ يدركونه بعقولهم. 64 س والوجه الآخر: لا تدرك العقول علمه في أوّل وهلة من غير سماعٍ؛ كعلم المآل؛ فلولا اتّصال الأخبار فيه، وسماعه في أوّل الأمر؛ لما اهتدت إليه أكثر العقول.

فإن قلت: ما الفرق بينه وبين الذي لا تقوم به الحجّة إلا بالسماع؟ فأقول في الفرق بينهما: إنّ الذي لا يدرك علمه إلا بالسماع مثل الصلوات الخمس، وما لكلّ واحدة منهن من الركعات، فليس للعقول في المشاهدة إلى صحّة ذلك مجال؛ وإنّما لزم بالسّماع والشهرة الصحيحة العادلة الموافقة للحقّ، وعلم المآل متى سمع به المرء الذكيّ العقل، وذكر له بعض الدلالة أنّ الله لم يخلق الخلق، ويتعبّدهم بعمل إليه، ويميتهم إلا ليريد إحياءهم مرّةً أخرى ليثيب من أطاعه، ويعاقب من عصاه؛ وقد أراه الله بعلم الدلالة صحّة الحياة بعد الموت بما يبذره من البذورات فيعود نباتًا، ثمّ يعود بذرًا، وحياة نفسه بعد عدمها إلى غير ذلك، فيشاهد صحّة هذا القول ببرهان عقله مشاهدة لا يتطرّق عليها شكّ، فلمّا صحّت المشاهدة لصحّته من العقل، وانْتَبَهَ إلى ذلك حتّى صار عقله يرى كأنّه لو فكّر قبل أن يسمع بذلك لعرفه، ولكن سبق عليه التنبيه.

وهكذا كلّ ما يعرف بالعقل إذا نبّه عليه، وشاهد صحّته رأى كذلك عقله أنّه لو فكّر لعرفه، ومن أجل هذا صار من جملة ما تقوم به الحجّة من العقل، والمراد إذا نبّه عليه، أو عرفه من ذات نفسه، وكلّ شيء لا تقوم الحجّة به إلا بالسماع، ووصل إلى عقله علمه بنظر عينٍ، أو بدلالةٍ، وكان ممّا لا يسعه الشكّ فيه بعد علمه، بكلّ معبّر يعبّر له /65 م/ كان وصول ذلك العلم إلى عقله حجّة

٣٬٤٢٢ / ٣٦٬٧٥٥