قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 85

الجزء ٨٥ · صفحة ٢١٦

(رجع إلى الكتاب) من رفع فابتدأ كلام حكم، ومن نصب أراد "وكتبنا ذلك"، فالقصاص بين أهل الإسلام في النفوس والجروح فيما أدرك ذلك منه القصاص، إلا الزوجين. /93 م/ فقيل: لا قصاص بينهما إلا في النفوس، والمقاصصة أن تفعل بالفاعل كما فعله، وأصله من قصّ الأثر إذا اتبعه، وكان المفعول به يتبع ما عمل به، فيعمل مثله. يقال: اقتص، يقتص، اقتصاصا، واقتصه من نفسه، ومن غير اقتصاصا مكنه ليأخذ حقه.

مسألة: وقوله تعالى ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة:179]، يعني بحجر بعضكم عن قتل بعض، وخوفا على القتل، إلا أنهم يحيون أبدا، وإنما هو إذا علم قوتكم على القتل، أنه متى قَتَلَ قُتِلَ، كف عن ذلك فعل القتل لذلك.

مسألة: وفي التوراة: "يا بني إسرائيل لا تقتلوا فتقتلوا"، وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل:126]، قيل في النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة حين مثّلت قريش بحمزة، فقال: «لئن ظفرت بهم لأمثلن بهم»، فلما نزلت قال: «بل نصبر»، فلم يمثل بهم(1).

مسألة: والقصاص في كل شيء يدرك فيه القصاص، وإنما القصاص في العمد، أجمعوا أن لا قصاص في الخطأ، ولا قصاص إلا بحضرة الحاكم، أو الإمام، أو بأمر الذين أقاموا بالأمر، فإليهم ذلك؛ لأنه حق في حدّ، ولا تقيم الحدود غير أولي الأمر من القوام بذلك، ولا يقتص المقتص إلا بعد أن يبرأ؛ لقول النبي

- صلى الله عليه وسلم -: «لا قصاص في جرح حتى يبرأ ويعلم ما هو»(2)، وعلى ذلك الإجماع لما أوجب الانتظار بظاهر الأمر.

قال: ووجدت عن الشافعي بأنه يقتصّ منها في 93 س الحال.

وزعموا أنه أتاه رجل قد طعنه رجل بقرن في رجله، فقال: يا رسول الله، أقدني، قال له: «حتى يبرأ جرحك» فأبى الرجل إلا أن يستقيد، فأقاده، فصحّ المستقاد منه، وعرج هو، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: عرجت، وبرئ صاحبي، فقال: «ألم آمرك فعصيتني»(3)، وأمر من كان به جرح بعد الذي عرج أن لا يستقيد رجل حتى يبرأ جرحه.

مسألة: فإن فقأ عين رجل، وقطع أذن آخر؛ فقول: يبدأ يقتص منه ما كان دون النفس، ثم يقتل من بعده؛ فإن ذهبت نفسه في شيء من القصاص قبل تمام ما عليه، كانت دية ما بقي في ماله. وقول: يبدأ يقتص منه ما كان جنى من قبل؛ فإذا كان بدأ بالقتل قتل، ولكل واحد من أصحاب الجنايات أرش جنايته في ماله. وقيل: كان أبو عبد الله أفتى بغير هذا الرأي، ثم رجع إلى هذا.

مسألة: والذي تقطع منه جارحة، ثم يقتل هو الذي قطع جارحته، فإنه يقاد بالذي قتله، وتكون له دية جارحة تدفع إلى ورثته(4).

(1) أخرجه بلفظ قريب كل من: الطحاوي في شرح مشكل الآثار، كتاب الجنايات، رقم: 5023؛ والبيهقي في دلائل النبيوة، 3/ 288.

(2) تقدم عزوه.

(3) أخرجه بلفظ قريب كل من: أحمد، رقم: 7034؛ وعبد الرزاق في مصنفه، كتاب العقول، رقم: 17991.

(4) هذا في ث. وفي الأصل: جارحته.

٣٤٬٢٩٣ / ٣٦٬٧٥٥