الجزء 85
الجزء ٨٥ · صفحة ٣١٩فإن قال: لم ألزمته الدية؟ قيل له: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «حرمة موتانا كحرمة أحيائنا»(1)، فقد جعل حرمة الميت في كل شيء كحرمة الحي، فإذا قطع رأس الميت وجبت عليه الدية.
فإن قال: فيلزمك أن توجب عليه القود؛ لأن هذا حكم الحي وحرمته؟ قيل له: إنا قسنا ذلك على ما اتفقنا عليه جميعا، أن رجلا لو قطع يد رجل شلاء لم يلزمه القصاص. قلنا جميعا: إنّ الدية في ذلك، وهكذا أيضا إذا قطع رأسا (خ: رأس) ميت فعليه الدية ولا قصاص؛ لأن اليد بها آفة، ولا آفة أكثر من الموت.
قال: فإن قطع رأسه خطأ؟ قيل له: لا شيء عليه.
فإن قال: لم قلت وأنت تلزم الحي الدية، فَسَاوِ بينهما للخبر؟ قيل له: إنّ في الخبر انتهاك الحرمة، وليس فيمن قطع رأس الميت خطأ انتهاك الحرمة؛ لأنه لم يقصد إليها، وإنما يكون المنتهك من قصد إلى انتهاك ذلك الشيء وأراده، وأما من لم يقصد إليه 141 س فغير منتهك له؛ ألا ترى أن الدية في قتل الخطأ على العاقلة، وعلى القاتل كواحد من العاقلة.
وقد قال بعض العلماء: إنه لا شيء عليه أيضا؛ لأنه لم يقصد إلى قتله، غير أنّ الله أراد أن يعوض أهل المقتول لما لهم من الألم عليه، فجعل ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - على العاقلة، ثم ألزم ذلك أهله، وأقرب الناس إليه، وأمسهم رحما، وليس في قتل الميت ألَمٌ يجده الميت، فحيث وجد الألم وانتهاك الحرمة، وجب الحكم بهما أو بأحدهما.
(1) أخرجه بلفظ: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا» كل من: أبي داود، كتاب الجنائز، رقم: 3207؛ وابن ماجه، كتاب الجنائز، رقم: 1616؛ وأحمد، رقم: 24739.