الجزء 86
الجزء ٨٦ · صفحة ٨١ومعرفة أشخاصهم، وقد شملهم الظلم، وجرى عليهم وفيهم، وتطاول عليهم أهل الباطل بباطلهم، وكانوا بباطلهم أعز وأمنع من أهل الحق ممن سار بغير سيرتهم، وثبت على الحق في خلاف الباطل، فكيف يكون ظهور حيث تجري المظالم، ويحكم أهل الجور بأهوائهم، /78/ ولا يمتنعون من حرمة الله ينتهكونها، ولا يعملون له بفريضة رجاء الثواب من الله والخوف من عقابه، وكانت طاعة إبليس في أعمالهم أكثر من طاعتهم لله، وكانوا في رضا إبليس أجهد وأشد وأبر عندهم من رضا الله، وذلك أن رضا الله لا يكاد يوجد إلا في خلاف هوى الأنفس، وترك تمام شهواتها، فاستدل بما فسرت لك إن كنت من أهل العلم والعقول؛ إنه لا يجتمع الحق والباطل في درجة أهل العدل، ولا يظهر الباطل إلا في دولة أهل الباطل. وذلك أنه بلغنا أنه كان في سيرة أبي بكر وعمر بن الخطاب سلطانان مختلفان يحكمان جميعا في درجة واحدة، وكل واحد منهما مخالف لصاحبه في السيرة والحال [ … ](1)، كلا ما كانت ولاة المسلمين إلا لكي لا يظهر أهل الباطل شيئا من باطلهم؛ لأنه لا يجتمع الحق والباطل في درجة واحد، وكذلك أهل الحق والباطل لا يجتمعون في درجة واحدة، حتى يكون الحكم الغالب لأحدهما، فإذا غلب أهل الحق أهل الباطل؛ عز الحق وأهله، وظهر أمر الله، وأهل الخلاف لله ولرسوله كارهون، واستخفى الباطل واكتتم أهله، ووهن كيدهم، وإذا غلب أهل الباطل؛ عز الباطل وأهله، وظهر الجور وأهله، /79/ واستخفى أهل الحق وكتموه؛ لأنه لما ظهر أهل الباطل ولم يحل بينهم وبين ذلك؛ فقد وهن الحق والعدل، واكتتم أهلهما حين لم يقهر الباطل وأهله، وليس إن
(1) بياض في النسخ، ومقداره في الأصل: كلمة.