الجزء 86
الجزء ٨٦ · صفحة ٨٢ثبت قوم على العدل إذا لم يمنع أهل الباطل من باطلهم، مما يكون ذلك ظهور العدل مع ظهور الباطل؛ لأن كل درجة أظهر فيها أهل الباطل باطلهم، لم يكن ذلك إلا على أحد وجهين: إما كتمان لأهل الحق؛ لأنهم مقهورون، أو يكونوا مداهنين حتى تركوا المنكر وأهله ظاهرين، قال الله يخبر عن بني إسرائيل، يحذر عن مثل أفعالهم: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة:63] إلى قوله ﴿أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة:80]؛ فلا يجوز لسلطان أهل العدل أن يكتتم؛ لأنه لا يقع اسم سلطان إلا على مسلط بأمر الله، حاكم بالعدل على الناس عامة، قاهر للباطل وأهله، فإذا لم يفعل ذلك؛ فقد صار إلى حال شواذ الناس، وظهر المنكر فلم يغير؛ فقد زال عنه اسم السلطان. قال عمر: من لم يزجر الناس على الباطل، لم يحملهم على الحق، فإنما المداراة لرجل خائف من سواد الناس، فإما سلطان لا ينفذ أحكام الله فليس بسلطان، فاستدل بما وصفت لك أن الظهور إنما /80/ هو إعزاز من الله وتسليط أهله، ويكون حكمهم بذلك هو الغالب على الدار التي هم فيها أو عامل وتوهين الباطل وأهله، ولعمري من لم يقهر الظالم لم يمنعه من (خ: عن) الباطل، ويعضد المظلوم وينصفه من الظالم حتى يستوي جميع الرعية في درجة الحق؛ فلا يخل من أحد وجهين: إما أن يكون مكتتم فيزول عنه اسم السلطان، أو يكون مداهنا لا بصيرة له بالأمور، ولا دين له ينتهي إليه، فنظره على حال ما ينبغي ويكتتم به.
وأما ما ذكرت من أمر الإمامة، كيف من يستحق الإمامة؟ قال: بلغنا أن الإمامة لا تصلح إلا لأهل الصدق والورع والفهم؛ لأن المسلمين اختاروا أبا بكر؛ لأنه أفضل أهل زمانه، واختاروا عمر بن الخطاب؛ لأنه أفضل أهل زمانه،