الجزء 86
الجزء ٨٦ · صفحة ٨٣وكذلك أئمة المسلمين إلى يوم القيامة، إنما يختارون لذلك أفضل أهل زمانهم، ممن يقوم بالحق ويعمل به، ولا ينبغي للمسلمين إلا التخيير لهذا الإمام، ولا ينبغي أن يؤمهم إلا أفقهم، وأعلمهم بالكتاب والسنة، مع ورع صادق، ويقين خالص، وعفة ظهر وبطن وجيب وجلد، وحسن طريقة، المأمون في كل ما يأتي منه، اللين في غير ضعف، الشديد في غير عنف، الذي يخاف منه ميل هوى، الذي تؤمن عوائله، ولا تخاف /71/ بوائقه، الذي يعمل بالحق والعدل في جميع سيرته وفعاله، الزاهد في الدنيا والراغب في الآخرة، المسلم العفيف التقي الصالح؛ لأن الناس إنما يسلمون بأئمتهم، ويقتدون بأخيارهم، وينتبهون إلى أميرهم الذي لا يأمر الناس بأمر إلا وقد حمل نفسه على أعظم من ذلك وأحسنه، ولا ينهى الناس عن شيء إلا وقد انتهى هو في ذات نفسه على أحسن ما يرضي الله ورسوله في الأمور كلها، وقد بلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لعن الله الآمرين بالمعروف التاركين له، والناهين عن المنكر الراكبين له»(1) الذي لا تختلط أفعاله، ولا يلوّن نيته الكريم الطبيعة، الحليم حيث ينبغي الحلم المشتد على أهل الدعارة والفساد في الأرض، المضيق على أهل النفاق، المباعد لهم، المستعين بالأخيار في جميع أموره، المشاور لجميع العلماء والفقهاء، والمنتهي إلى ما يرضي الله ورسوله في الأمور كلها، المتواضع لأهل طاعة الله، الرحم ليتاماهم، المتفقد لأراملهم، الرؤوف لمساكينهم، المتعطف على فقرائهم، الحافظ لحدود الله، العادل بين القريب والبعيد، والحبيب والبغيض، والشريف والوضيع، لا يخاف في الله لومة لائم، الذي لا يغفل عن الإسلام وأهله، الذي لا يلهو ولا يلغو، ولا يلعب ولا
(1) أورده أبو سعد الآبى بلفظ: «والناهين عن المنكر العاملين به» في نثر الدر، 01/ 129.