الجزء 86
الجزء ٨٦ · صفحة ١٧٩ومن السنة المجتمع عليها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا افتتح بلدا أمّر عليهم أميرا مرضيا، وكذلك كان يفعل بالمدينة إذا خرج عنها حاجا أو غازيا، وكانت أمراؤه في البلاد مشهورون بتأميره إياهم، وعقد الولاية لهم وتعريفهم /190/ العدو، ويأمرهم بطاعتهم في عهودهم لهم، وهو - صلى الله عليه وسلم - قائما بالأمر والنهي والحدود والأحكام، والأمراء فيما فتح الله عليهم من جزيرة العرب يحكمون إلى أن توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومعاذ على اليمن، [والعلاء بن الحضرمي](1) على البحرين، وعتاب بن أسيد على مكة، ورجال آخرون في سائر البلاد، وفي الغزو والجهاد، ولم يدفع لذلك متأول ولا متعبد، ثم احتذى الأمر بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثاله في التأمير، وقبض الخراج، وإقامة الحدود، وإمضاء الأحكام بإجماع المسلمين على ذلك له، وقال الله - عز وجل - وهو يخاطب المسلمين عامة: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب:21]، فدل آخر الكلام على فرضه؛ لأنه ليس لأحد أن يقطع بعضه عن إبطال مخرج لفظه، وقيام سنته، متروك على جهته وما يتعارف من ثباته، إلا أن تقطعه حجة من عقل أو كتاب أو إجماع الأمة، ولا نحب أن نخص هذا التأسي في بعض الشريعة دون بعض، لما كان مخصوصا به فيها رسول الله (؛ لأن الأصل في ذلك التأسي برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إلى أن تبين ما يخص به، وأن لابد أن تبين ذلك بحجة من نحو ما /191/ جاء من خصّه بالتسوة(2) والصدقة أنها لا تحل له، فكل ما لم يكن مبيّنا أنه خاص لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه نفل، فعلى الناس فعله لقوله: {لِّمَن كَانَ