الجزء 08
الجزء ٨ · صفحة ١٨٨من خيرٍ أو شرٍّ، ثمّ هنالك يكون العقاب والثواب؛ فهذا ما لا يشكّ فيه ولا يرتاب.
وقوله: «إن شئت أسمعتك ثغاءهم في النار» لا يخرج معنا في التأويل أن يكونوا ذلك الحين الذي /186/ خاطبها في دار الدنيا هذا الخطاب أن يكون ذلك الوقت في نار الخلد من العقاب الذي أوعد الله به العذاب؛ وإنّما يخرج على مجاز ما قلنا أو نحوه من الأسباب، والله الموفّق في جميع الأمور للصواب.
وأحسب أنّ بعضًا قال فيهم بأنّهم من أهل الجنّة ينعمون ويثابون كما يثاب أولياء الله؛ لأنّهم أولياؤه وأهل طاعته قد أخذ عليهم الميثاق؛ ولهم بالإقرار والطاعة، والإيمان للشواهد التي ذكرناها والعلل التي أكّدناها، وأنّهم لا يؤخذون بوزر غيرهم من آبائهم ولا من أمّهاتهم؛ لثبوت قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:15]، وقوله في أهل النار جميعًا: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران:106]، وقال: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل:15،16]، وما كان من القوم كفر ولا تكذيب يحكم به عليهم في حكم عدل الله الذي أعلمنا به لما يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «القلم مرفوع عن الطفل حتّى يحتلم»(1)، ولما ثبت في الإجماع أنّه لو تكلّم الطفل من أولاد اليهود بالإسلام؛ ما ثبت /187/ عليه قبل بلوغه؛ ولو كان مراهقًا، ولا جبر عليه، ولو تكلّم الطفل من أهل الإقرار بالشرك؛ ما ثبت عليه حكمه حتّى يبلغ، وأحكام دين الله في ظاهر ما تعبّدنا، وشواهد فضله التي بها
(1) سيأتي عزوه بلفظ: «رفع القلم عن ثلاثة … ».