الجزء 08
الجزء ٨ · صفحة ١٨٩أعلمنا لا يثبت في أحدهما معنا عقوبة في دار الآخرة إلا بمعصيته بعد قيام الحجّة على من عصاه منه بما شاء أن يقيمها عليه، غير(1) معترض عليه في شيءٍ من أحكامه؛ إلا أنّه قد تفضّل تبارك وتعالى فقال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:15]، و(2) قال: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:165]، وتبارك ربّنا وتعالى جلّ أن تكون عليه الحجّة أبدًا قبل الرسل، أو بعد الرسل؛ بل الحجّة له في جميع ما سبق من أمره من عدله وفضله في جميع خلقه؛ ولكنّه من صحّة فضله ومنِّه أن جعل هذا لعباده من منّته وفضله فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة:115]، وكثير من شواهد كتابه تدلّ على هذا من فضله. وشواهد العقول تشهد له بذلك أنّه في حكمته وعدله وفضله لم يكن ليعذّب /188/ أحدًا من خلقه إلا بما يعذّب به غيره من خلقه من أهل معصيته؛ وإلا فتناقضت الأحكام، وجلّ عن ذلك وعزّ وتعالى علوًّا كبيرًا، ومنّته وفضله وشواهد أحكامه في خلقه من الثقلين تدلّ على ذلك على أنّه لا يعذّب منهما أحدًا، ولا أحدًا من خلقه إلا لعاصٍ قد عصاه بعد قيام الحجّة عليه، وإنّهما جميعًا، وهما الثقلان أنّهما من أهل النار، أو من أهل الجنّة لا محال عن ذلك لقوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ [الأنعام:130]، فكانت المخاطبة منه للثقلين بالطاعة والمعصية، والكفر والإيمان، والثواب والعقاب؛ معشر الجنّ والإنس، فشواهد ذلك تدلّ من فضل