الجزء 08
الجزء ٨ · صفحة ١٩٣﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم:30] فكان هذا الخطاب عندي عند من تأوّله إنّما هو في الدين، وإن كان قد يوجد في بعض تفسير القرآن عن قومنا غير هذا، فالذي عرفته عن بعض المسلمين ما قد ذكرته، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كلّ مولودٍ فهو مولود على الفطرة -أي على الدين- وإنّما يهوّده أبواه، وينصّرانه أبواه»(1)، فوجدت في التأويل أنّ معنى ذلك أنّ(2) أولاد اليهود والنصارى، وكذلك غيرهم من المشركين يجري عليهم ما يجري على آبائهم، لا يجبرون على الرجوع عنه إلى دين الإسلام بعد بلوغهم إذا لم يكونوا أقرّوا بالإسلام بعد بلوغهم، وإنّ أولاد أهل الإقرار محكوم عليهم بالإقرار، ولو لم يقرّوا به بعد بلوغهم، ولا يُقرون إلى تركه، والدخول في غير موأديان(3) أهل الشرك، وبالطهارة، وغير ذلك من حكم الإسلام.
إلا أنّه قد اختلف في أولاد المنافقين والمشركين ما كانوا أطفالا؛ فقال من قال: إنّهم تبع لآبائهم ولاحقون بهم في الآخرة؛ كما كانوا لاحقين بهم في أحكام الدنيا، وأنّهم يعذّبون كما يعذّب آباؤهم. وضعّف من ضعّف هذا القول، وأدخل عليه العلل /194/ الكبيرة، وأكثر الإجماع في نقضه. وقال من قال: إنّهم يثابون في الآخرة؛ لأنّه قد أخذ عليهم الميثاق؛ وقد أقرّوا به، وثبت لهم الإسلام، ولم يكن منهم في صبائهم ما ثبت عليهم به نقض ذلك الميثاق؛ لأنّ القلم عنهم مرفوع، والتعبّد عنهم زائل. وقال من قال: إنّهم لا يثابون؛ وإنّما
(1) تقدم عزوه بلفظ: «إن كل مولود … ».
(2) زيادة من ق.
(3) هذا في ق. وفي الأصل: موأدبان. ولعلّه في أديان.