قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 08

الجزء ٨ · صفحة ٢٠٤

في الآخرة؛ ولولا ذلك؛ لم حسن منه أن تمرض البهائم والأطفال؛ كما لا يحسن منّا أن نستأجر أجيرًا، ونبغته(1)، ولا نعطيه الأجرة.

فإن قال: أفيكون في هذه الأمراض اعتبار للكافرين، ومصلحة لهم؟ فقل: نعم؛ إنّ الرجل إذا /207/ مرض؛ كان أقرب إلى أن يتّقي المعاصي خوف النار، فإذا فعل الطاعة رغبة(2) في الجنّة، وعلى هذا الاعتبار؛ وقال الله - عز وجل -: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة:126].

فإن قال قائل: أتقولون: إنّ الله قد دلّ كلّ من كلّفه على الحقّ، وهداه إلى الدين؟ قيل له: نعم؛ والدليل على ذلك أنّه كان - عز وجل - حكيمًا رحيمًا لم يجر(3)، لم يكلّفنا إلا ويدلّنا على ما تكلّفنا؛ فلم يجز أن ينهانا عن المعاصي إلا وبيّنها لنا كي يجتنبها ولا يفعلها؛ لأنّه - عز وجل - يريد صلاحنا ومنافعنا؛ ولا بدّ أن يدلّنا ويبيّن لنا طريق الرشد لنأتيه، وطريق الغيّ لنتوقّاه؛ فإذا فعل ذلك، ثمّ كفر العبد؛ فقد أساء إلى نفسه وهلك عن بيّنة، ومن أطاع الله؛ فقد أحسن إليها، وفاز بالنجاة؛ والله - عز وجل - محسن إلى جميع خلقه المكلّفين؛ من يؤمن ومن يكفر على أمر واحد؛ كما أنّ من قدّم الطعام إلى جائعين فأكل أحدهما ولم يأكل الآخر؛ فقد أحسن إليهما عن سواء.

(1) وردت في ق من غير تنقيط. ولعلّه: نتعبه.

(2) هكذا في النسختين. ولعلّه: رغبه.

(3) ق: يجز.

٣٬٤٨٤ / ٣٦٬٧٥٥