الجزء 87
الجزء ٨٧ · صفحة ١٧٣أيضا من الدينونة بالرأي كما فعله المتأخرون من أهل المذاهب الأربعة بدعة ابتدعوها، فكان علماؤهم في أول ابتداع هذه البدعة على فريقين:
فريق: لم ترض نفسه إلا اتباع البدعة ودان بها في نفسه على نفسه، وحكم بها على من هو مثله كذلك.
وفريق: رد عليهم بما كان عليه الأوائل فلم ينجع فيهم إيضاح الدلائل.
وأما أن يأخذ المجتهد من قول عالم في كل رأي نظر فيه فرآه أعدل مما يخالفه فلا يسمى هذا مقلدا، وكذلك إن كان متبعا واشتهر في مذهبهم عالم أبلغهم علما، فاستحب أن يعمل بقول الأعلم، غير محرم على نفسه أن يعمل بقول غيره، ولا محرما على غيره أن يعمل تارة بقول ذلك الأعلم فيما بينه وبين الله، وتارة فيها بقول غيره من العلماء أو في غيرها، نحو أصحابنا العوام يتبعون قول أبي سعيد وأبي نبهان ? تعالى في مسائل الرأي من غير تحريم أن يعملوا بقول غيرهما /185/ في تلك المسألة أو في غيرها أيضا على أنفسهم ولا على غيرهم، ومن غير(1) تحريم على من أراد النظر فيما قالاه والعمل بخلافهما إن رآه أعدل، بل هو الواجب عليه أن يعمل به، ولا تقليد على هذه الصفة إلا للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فاعرف ذلك.
(رجع) قال في إبطال التقليد: التقليد إنما حدث في القرن الرابع، وقد اقتصرت على هذا المقدار مما(2) نقله السيوطي عن ابن حزم، ثم قال السيوطي في آخر ذلك: وقوله يعني ابن حزم في أوله أي: في أول كلامه لا يقلد غير رسول الله
- صلى الله عليه وسلم -، سبقه إليه الشافعي، فقال في المختصر المزني في باب القضاء: ولا يقلد أحد أحدا دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. انتهى.
وقال السيوطي أيضا بعد ذلك ناقلا عن سلطان العلماء الإمام العز بن عبد السلام في قواعده الكبرى ما نصه: "من العجب العجب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف ما أخذ إمامه، بحيث لا يجد لضعفه مدفعا، وهو مع ذلك يقلده فيه ويترك من شهد الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة لمذهبهم جمودا على تقليد إمامه، بل يتخيل لدفع ظواهر الكتاب والسنة ويتأولها(3) بالتأويلات البعيدة الباطلة نصا لا عن مقلده، إلى أن قال: وسأفرد إن شاء الله /186/ تعالى كتابا أبين فيه أقرب العلماء إلى مراعاة مقاصد الشرع في كل ورود وصدر، قال: مع أني لا أعتقد أحدا منهم انفرد بالصواب في كل ما خولف فيه، بل أشدهم وأقربهم إلى الحق من كان صوابه فيما خولف فيه أكثر من خطئه، قال: ولم يزل الناس يسألون من اتفق من العلماء غير تقييد بمذهب(4) ولا إنكار على أحد من السائلين، إلى أن ظهرت هذه المذاهب ومتعصبوها (ع: ومتبعوها) من المقلدين، فإن أحدهم يتبع إمامه مع بُعد مذهبه عن الأدلة، مقلدا له فيما قال، كأنه نبي مرسل، وهذا نأي عن الحق وبعد من الصواب، لا يرضى به أحد من أولي الألباب". هذا كلام الشيخ عز الدين.
وقال الإمام أبو شامة في خطبة الكتاب المؤمل في الرد على الأمر الأول: (قال المؤلف: يعني بالرد أي بالإجماع إلى ما كان عليه الأوائل من تحريم
(1) هذا في ق. وفي الأصل: غيرهم.
(2) هذا في ق. وفي الأصل: فما.
(3) ق: ويتناولها.
(4) هذا في ق. وفي الأصل: بمذاهب.