قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 87

الجزء ٨٧ · صفحة ٢٣١

يقولها بين يدي سلطان جائر، ولا شك أنه عاجز عن مخاصمة السلطان، وكفى بالجلندى بن مسعود وهلال بن عطية بيانا بذلك؛ حيث بادر هلال بن عطية الحرب بنفسه بعد قتل الإمام ولم يكن حينئذ معه الإمام، ولم ينظر عجزه عن مصادمة القوم حتى قتل، وكذلك قصة زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبدالله بن رواحة قاتلوا الجيش وهم ثلاثة ويعلمون عجزهم عنه، وفيما يروى أن النصارى أخذوا اثنين من الصحابة أسيرين وخيروهما إما ليشهدوا بتكذيب النبي - صلى الله عليه وسلم - وإلا ليقتلا فأجابهم منهما واحد بمندوحة ونجا وأبى الآخر وقتل، فأنزل الله فيهما: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل:106]، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أما الذي أبى فقد فاز بالدرجة العلية، وأما الآخر فقد أخذ برخصة الله تعالى»(1)، ولو لم نجز لأحد أن ينهض بإظهار الحق وإخماد الباطل؛ لم يجز لأبي بكر الصديق ? حين ارتدت الأعراب عن الإسلام أن يقاتلهم، /241/ وأشار إليه المسلمون بالوقوف عنهم خوفا أن يتولد منهم ما هو ضرر عظيم على من بقي من المسلمين على أحكام الطاعة، ولولا لأجل الخوف من ذلك؛ لم يجز لهم أن يشيروا عليه بترك القيام بالحق مع القدرة، وغير الخوف من شيء، إلا أن من حقهم أن يحاشوا عن ذلك، فلما خالفهم ونهض بالقيام واشتد القتال والبلاء على المسلمين حتى ردوهم إلى الإسلام، فلم يعيبوا عليه حين خالفهم، ولم يلوموه(2) أنه ليكثر القتل في المسلمين ويكون ذلك بسببه، وكذلك أهل النهروان

(1) أخرجه ابن أبي شيبة بلفظ: «أَمَّا صَاحِبُكَ فَمَضَى عَلَى إِيمَانِهِ، وَأَمَّا أَنْتَ فَأَخَذْتَ بِالرُّخْصَةِ» في مصنفه، كتاب السير، رقم: 33037.

(2) ق: يلزموه.

٣٤٬٩٨٧ / ٣٦٬٧٥٥