قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 87

الجزء ٨٧ · صفحة ٣٣٩

وإن ترد الآخرة دار القرار لتزحزح عن النار، فتفوز بالجنة منزل الأبرار، فاسع لها سعيها المخصوص بها لا على أي شيء اتفق همجا، فإن لكل دار منهجا يوصل إليه، من سعى فيه واتبع هداه، خوفا أن يقع في مهاويه، فتقطع به عن الوصول فيبقى على تردده في صحرائها باركا، فيمسي هالكا فضلا عن أن يكون لشيء مالكا، وإذا كان هذا حال من سعى على غير دليل، فكيف بمن أهمل أمره، فترك السعي عمدا، إنه لأشد بعدا، ففي محكم التنزيل الإلهي: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ [النجم:39 - 41]، فإن تكن فيما ترومه صادقا فشمر عن ساق، واحسر عن ذراع، وبادر السعي لها على الزهادة بأنواع العبادة لعالم الغيب والشهادة، فاجعل العلم علما، والعمل سلّما، والدنيا مغرما والآخرة مغنما، فالزم الشكر، وأدم الذكر، وتجرع مرارة الصبر، على ما تلقاه في طريقتها المثلى /370/ من الشدائد والنصب والبلوى، ففي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجنة: أنها حزن بربوة، وأنها على عقبة كؤود فهي صعبة المسلك على أهل الكنود، دقيقة المنهج ضيقة المدرج، فالأكثر من الناس لسعيها كاره؛ لأنها حفّت بالمكاره، حتى قل سالكها، لوعر مسالكها، وعز من يصل إليها لخفاء مهالكها، ومع هذا كله فليس فيه وافر حظ حاضر، فتهوى إليه وتساعد بالطبع عليه، بل من رومها لزوم البدعة(1) وتعجيل الراحة في يومها، فهي إذا تميل إلى ما هو من ذلك عاجل، وهذا شيء آجل، فهو إذا على ما به من سدادها، مخالف لمردها، إما لوجود عمى(2)، وإما لاتباع هوى، وتلك

(1) ق: الدعة.

(2) ق: العمى.

٣٥٬٠٩٥ / ٣٦٬٧٥٥