الجزء 87
الجزء ٨٧ · صفحة ٣٤١عليه، وليس لها في غيره التفات لوطر، ولا فيما سواه إرادة ولا نظر، وهذا هو الطلب الأسنى من العبد للمولى جل وعلا، فأكرم به عبدا وأنعم، أراد الله بالخير فعامله به عمره، بعد أن شرح بنوره للإسلام صدره، وعرفه نفسه وأمره، فلم يتجاوز قدره، وأجال في أمر الآخرة والأولى فكره، فكشف له الغطاء عنهما حتى ظهر له أمرهما بعد الاستدلال عليهما، فرأى الدنيا بعين الفناء، والآخرة بعين البقاء، ونفسه في الموتى، لا محالة عن ذلك؛ إذ هو شيء لا مرد له فأنى يفر عنه، ولابد له منه مر أو حلو(1)، وأيقن بالبعث بعد البلى، وأنّ من وراء الجنة دار كل تقي، مطيع لله ولي، أو النار سجن كل شقي، لربه عصي، وأعرض حاله، كيف يكون مآله، فأشكل عليه أمره ولم يدر لأيهما، مع الحزم بأنه لابد له من أحدهما، فأورثه النظر البالغ فيما يطهّر قلبه، ويمحو ذنبه، حتى يأتي ربه مخلصا له دينه، سالما من كل شيء دونه، ومال به على إيقانه، لرسوخ إيمانه، بالوعد والوعيد، إلى التجافي عن دار الغرور، والإنابة /373/ إلى دار الخلود، علمه اليقين بأنه لا صبر عن ثوابه، ولا على أدنى شيء من عقابه، فاتقى كل داع إلى هلاكه قبل حلوله، واستعد لموته قبل نزوله، فأعد من الزاد ليوم المعاد، ما لا يقبل الفساد، حمدا وشكرا، وحمل نفسه على تحمل المكاره صبرا، وكلفها حمل أعباء السفر وقرا، يكون له عند الباري ذخرا، ومنعها من رديء الشهوات قهرا، وزجرها عن متابعة الهوى زجرا، وردها إلى الحق جبرا، وألقى إلى العلم قياده، كيف ما قاده فأخذ زمامه، لما اتخذه أمامه، فجرى به على وجه السداد في سبيل الرشاد، لمولاه العزيز كما أراد، فلم يزل لكثرة وجله، على مر الليالي بأجله، في
(1) هذا في ق. وفي الأصل: جلي.