الجزء 87
الجزء ٨٧ · صفحة ٣٥٨جاد أحدهم فبشيء يسير هين حقير، لا يرضى به على نفسه في نائل أن يكون منه لسائل سوقي النخاس، ولا أدنى غني من الناس، إلا أن يكون هنالك في البخل على مثل ذلك، قد أضر بهم الشح المطاع، والهوى المتبع، وزادهم النعيم، بمقتضى الشهوة بطرا وقسوة، فقلوبهم لا تخشع، وأعينهم لا تدمع، وآذانهم لا تسمع، وبطونهم من القليل لا تشبع، فكيف تنجع فيهم الموعظة فتنفع، إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل، وعن طريق الرشد (خ: النجاة) أزل، بواطنهم مظلمة وأنفسهم شرهة نهمة، ألا تصيبهم من ذلك تخمة، أليس هم في(1) الدنيا في عمه، بلى حتى لم يكن لهم في غيرها همة، نعم قد أقبلوا في أيامها على جمع حطامها، وتركوا الرعية مهملة كأنها نعم مرسلة، لا قائد ولا ساق، ولا ذائد ولا واق، يستضعف الأكثر الأقل، ويقهر الأعز الأذل، فالطرق تقطع، وتحجب فتمنع، والقرى /395/ تغزى، والأموال تنهب بزا، من إبل وبقر وظأن ومعز، ولجين ونضار، وقماش وعقار، والناس بين قتيل وجريح، هذا يتأوه وذاك زميت، وآخر ينوح، هذا سليب المال، كاسف اللون حزين البال، وذلك يشكي، وآخر يبكي، لا دافع ولا قائد ولا مانع، وعلى هذا فلو تركوا ذاك لأصابوا بالترك دعة وسكونا، وراحة من تعب ما يلقونه من جهة أخرى هي إخراج ما يكون من الخراج، وأخذهم بالنكال، والأصفاد والأغلال، وجبرهم على القتال، وما يكون معه من بذل المال، لا في موضع لازم ذلك لهم محال(2)، حتى أحاط بهم الذل والهوان، من كل جانب ومكان، فأي زمان أقبح وأمرّ وأشجى لأهل الإيمان، من