الجزء 87
الجزء ٨٧ · صفحة ٣٥٩هذا الزمان، وكيف لا يكون كذلك وقد انهمك الأكثرون على الجهالة في أنواع الضلالة، حتى اندرس الصدق وانطمس الحق، أم هذه دعوى، والتاجر لمحجور البيوع واليمين الفاجرة، والصناع للغش والمواعيد الكاذبة فيما يصنعون، والأجراء لترك الجهد فيما يعملون، والمتعلّم للمفاخرة، والعابد لطلب الدنيا بعمل الآخرة، والرؤساء للظلم، والقاضي للرشاء والميل في الحكم، والأمير للجور وسفك الدماء والتدمير، /396/ والرعية(1) للغي والفساد والبغي، فانظروا يا أولي الألباب المبصرة، إلى هؤلاء الكفرة والظلمة والفجرة، كيف بدلوا نعمة الله كفرا، أيحسبون أنهم يجدون لهم عند الله عذرا، كلا والذي تولى كبره واحتمل وزره، أدهى وأصر، وأضر وأقبح، وأمر وأشر، أقيم للدنيا في المسلمين، ولإقامة عماد الدين، وإزاحة الشك باليقين، روما للسداد، بإظهار العدل في البلاد، وإنفاذ الحكم بالحق في العباد، وإحياء السنن، وإماتة البدع، وإخماد الفتن، وإزهاق الباطل، ومحو الجور من الظلم والعناد، وطهارة الأرض من جميع أنواع الفساد، فلها مكاثرا، ومشى مفاخرا، فأمسى كافرا، وأصبح فاجرا، يغضب لغير الله، فيعادي من نازعه دنياه، ويشني من يدله على أخراه، ويأمره بطاعة مولاه، وينهاه عما يهواه سماع الكذب على حال، وإن كان فيمن هو في أوانه أزهد أهل زمانه، يلغ في دماء أهل الإقرار مثل الكلب الهرار، يقعد القرفصاء، ويمشي المطيطاء، معجب بأمره ونفسه وحاله، ولباسه وماله، قد نفخ الشيطان في مغطسه ريح الكبر، فرفع رأسه وسمخ بأنفه، فتارة يصعّر على الناس خدّيه، وتارة ينظر إلى عطفيه، حتى راكم خولا، واتخذ مال الله /397/ دولا، إن تكلم أوحش، وإن بطش أفحش، فصار ممن
(1) هذا في ق. وفي الأصل: الرغبة.