الجزء 87
الجزء ٨٧ · صفحة ٣٧٦وقل عسى ربي أن يحدث بعد ذلك أمرا، وليس في هذا الرسم ما يدل على أنك ملزوم بقيام ما لا تستطيعه، ولا بترك ما ذكرته أنت، ولا أنه غير معذور إذا تركته، بل فيه دلالة أن كل هذا مما يجوز لك تركه مع قلة الاستطاعة، وفيه دلالة أن قيامك بما أمكن من العدل أفضل لك من أعلى مرتبة، وإنها هي التي أجبتها لك، ولا تدري ما يحدث الله لك بعدها، فإن زادك فبضله، وإن لم يزد فبذلك كفاية، وهو العليم بما هو أصلح لك، وبالله التوفيق، وانظر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - كيف لم يجعله الله(1) نبيا إلا ثلاثا وعشرين سنة، ويرتب ظهور قوته من مرتبة إلى مرتبة بلطف وتدبير متين، عسى أن تكون لله فيك إرادة غير هذه، فهو العليم بما هو أصلح لك، وأما أنا /416/ فلو بليت بما بليت أنت به لما تركته وقمت بالحق حد الاستطاعة، ولم ترض نفسي بعد أن أراد أن يقربني إليه بمرتبة عليّة أتركها في حقه وأكتفي بما هو دونها، فليس هذا من علامات صحة المحبة الصادقة فيه، بل نيتي لو أقدرني الله تعالى على ولاية جميع أهل الأرض، ووفقني على ملاء الأرض عدلا لكانت هي رغبتي إليه، ولو جعل لي طريقا إلى المنافسة إلى هذه الدرجة لرغبت ونافست حتى يبلغني الله تعالى ذلك، لا(2) أريد به جاها في الدنيا، ولا نيل الحظ منها، ولكن أريد بذلك التقرب بما هو دون النبوة، وليس هذا موضع قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس هذا الأمر لمن طلبه وإنما هو لمن رغب عنه»(3)؛ لأن ذلك من هو كذلك في حكم الظاهر أنه يريد به الدنيا لا لمن اعتقده في النفس، فإن محبته