الجزء 88
الجزء ٨٨ · صفحة ٤٥إنا لله، أخاف أن يكون خرج بغير إذن والدته، ثم قلت: إنّ الأرض لتقبل من هو أشرّ منه فقمت وصليت ودعوت الله بستره، فإذا أنا بوقع الخلاخل وطنينها من الهواء، ومناد يقول: تنحّ عنا يا أبا قدامة، فتنحَّيت فإذا أنا بسباع قد أقبلت، وطيور قد هوت عليه فأكلته، فذهبت إلى والدته فقرعت الباب فإذا بصبية صغيرة نظرت ورجعت وهي تقول: يا أماه هذا والله أبو قدامة، ولست أرى معه أخي، فخرجت فسلمت عليها فقالت: حبيبي معزيا أم مهنئا، فقلت: وما معنى معزيا ومهنئا؟ فقالت: إن كان ولدي مات موتا فعزّني، وإن كان استشهد فهنّئني، فقلت: بل استشهد، فقالت: الحمد لله، /22 م/ إنّ بيني وبينه علامة، فهل أودعك حقيبة؟ فناولتها الحقيبة فأخرقت (خ: فأخرجت) منها مسحا وقيدا وسلسلة، وقالت: كان ولدي إذا جنّ عليه الليل ونامت عنه العيون لبس هذا المسح وتقيد وتسلسل وأخذ يناجي ربه طول ليلته ويقول: يا رب إذا كان يوم القيامة احشرني من بطون السباع وحواصل الطير، فقال: والله لقد فُعل به ما سأل، فقلت: الحمد لله الذي أجابه إلى ما سأل، فقالت: مهلا يا أبا قدامة، وقامت وصلت أربعا، ونادت فقالت: يا إلهي إن كنت قد غفرت لولدي فألحقني به، قال: فسجدت، وما رفعناها إلا ميتة.
فصل: في أرواح الشهداء: عن ابن عباس قال: «لما أصيب إخوانكم يوم أحد جعل الله أرواحهم في حواصل طير خضر ترد بهم أنهار الجنان، فيأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظلّ العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأواهم ومأكلهم وحسن منقلبهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا؛ لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا يستأخروا عن الحرب، فقال الله لهم: أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ