قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 88

الجزء ٨٨ · صفحة ٨٤

اليوم قليل والإسلام ضعيف، فقال أبو بكر ?: إنّ جيشا أمر النبي ? بإنفاذه لأنفذنّه ولو أكلتني السباع بالمدينة، فبعث أبو بكر ? الجيش إلى الشام ولم ينظر في قولهم. وقد بلغنا أنّ السباع لا تصل إلى أبي بكر حتى لا يبقى في المدينة أرملة ولا ضعيف، وقد وصف الله المؤمنين الذين يقاتلون في سبيل الله، وأخبر عنهم أنهم يَقتُلون ويُقتَلون فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:111]، فإن كان لا يقاتل أحد حتى يعلم أنه غالب وأنّ الأمر له لم يقاتل أحد أبدا.

وقد بلغنا عن النبي ? أنه سار إلى حُنين في اثني عشر ألفا فأعجبتهم كثرتهم، وظنوا أنّ الأمر لهم، وكان عدوّهم على الثلث منهم فما نفعتهم كثرتهم، ولا قدروا منعا لأنفسهم، وأخطأ ظنهم، وضاقت عليهم الأرض بما /42 م/ رحبت ثم ولوا مدبرين، فالمسلمون يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.

وقد بلغنا عن النبي ? أنه بعث المنذر بن عمر في سبعة وعشرين رجلا إلى بني عامر، فلما ساروا بعض الطريق تخلّف أربعة منهم لأمر عرض لهم، ويوجد أنه ضلّ بعير لهم، ومضى القوم وهم ثلاثة وعشرون رجلا فلقوا عدوّهم فقاتلوهم حتى قتلوا جميعا، وأقبل الأربعة الذين كانوا تخلّفوا في آثار أصحابهم، وإذا بهم قد قتلوا جميعا على الماء، فتشاور القوم فيما بينهم، فقال بعضهم: نرجع إلى النبي

? فنخبره بخبر أصحابنا، وقال واحد: لكني أتغذى من غداء(1) أصحابي، فرجع ثلاثة منهم إلى نبيهم، ومضى الرجل بنفسه وحده إلى القوم، فلم يزل(2) يقاتلهم حتى قتلوه، فما قولك في هؤلاء القوم القليل الذين ساروا إلى قبيلة من قبائل العرب، وما قولك في هذا الرجل الذي قاتل بنفسه وحده حتى قتل؟ وقد كان النبي ? يبعث القليل إلى الكثير، وكذلك فعل المسلمون من بعده، وقد أثنى الله على الفئة الصالحة فقال: 42 س ﴿وَكَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:249].

ويوجد في موضع آخر: إنّ القوم لما عرفوا أنهم مقتولون قالوا: اللهم إنا لا نجد من يخبر عنا رسولك غيرك، فأقرئ منا عليه السلام، فإن(3) قد رضينا، فأخبر الله نبيه فنعاهم رسول الله ? بالمدينة وقال: «إن أصحابكم يُقتلون على بئر معونة فاستغفروا لهم، فإنهم قد أرسلوا يقرئون السلام»، فوجد الأربعة نفر بعيرهم بعد(4) ما أضحوا، فقال واحد منهم: لكن والله لا أرجع حتى أتغدى من غداء أصحابي، فأقرئوا على نبي الله مني السلام، فانطلق حتى أتى القوم فسلّ سيفه فقَتَلَ منهم ثم قُتِل(5).

رجع إلى السيرة: ومن ذلك أنك تقول: إنما كان الجهاد فريضة على النبي ? وأصحابه، ليس هو اليوم على الناس فريضة، وإنما هو نافلة، فمن شاء قاتل

(1) ث: غذاء.

(2) زيادة من ث.

(3) هكذا في النسختين، ولعله: فإنا.

(4) زيادة من ث.

(5) لم نجده.

٣٥٬٢٤٣ / ٣٦٬٧٥٥