الجزء 01
الجزء ١ · صفحة ٣٥٨ينفوا من الأرض" إذا لم يقتلوا النفوس ولم يأخذوا الأموال، بإطالة حبسهم تحت الأرض إن قدر عليهم، أو يغلبهم حتى يجليهم عن أراضي المسلمين، ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:33]. وهذ التأويل الأخير أقرب إلى الصواب إن شاء الله فليعول على هذه القولة، ويظهر وجه الإيالة فيها.
فأما الأول فقد فاقت فيه الإيالة والسياسة، وقدر عسكرًا حارب الله ورسوله؛ فقطع الطريق، وأخاف السبيل. فإن قتلوا أحدا من الناس؛ مؤمنا أو كافرا، مسلما أو يهوديا أو نصرانيا ذميين، ذكرا كان أو أنثى، حرا كان أو عبدا، صالحا أو [طالحا]، صبيا أو مجنونا، أو مشركا أو ذميا أو مجوسيا؛ فإنهم يقتلون به كلهم، على أنهم ربما لا يقتل به بديًّا إذا قتله على غير الحرابة؛ والقتل حدهم ولو كانوا آلافا لا تحصى.
والحكم أيضا في الأموال كذلك قد جعل الله تعالى في السرّاق قطع الأيدي وقيده /188 م/ بالنصاب وبالحرز، فإن عاد فرجله من خلاف؛ فجعل الحكم في المحاربين قطع الأيدي والأرجل من خلاف، ولم يقدره بالنصاب؛ فأضعف عليهم الحكم من كل الوجوه ولو كانوا في العدد أمة من الأمم؛ فسووا بين من أخذ وبين من لم يأخذ، وبين من قتل وبين من لم يقتل.
ومن وراء هذه الداهية العظمى لأهل الاستدلال والإيالة صنيع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وسنته في أهل الشورى؛ فإنه أمر أبا طلحة عم أنس بن مالك يدخلهم دارا ويعقد على بابها وينتظر ثلاثة أيام، فإن لم يتفقوا على واحد بعينه أن يدخل إليهم وأعطاه سيفا فيقتلهم عن آخرهم.
وكان أبو طلحة ممن يقوم على رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسيف يحرسه