الجزء 89
الجزء ٨٩ · صفحة ٣٢٩غيره، لم يجز إتلاف ذلك، وإنما جاز ذلك للعلة التي ذكرناها، وما أشبه هذا فهو مثله، وكذلك أنهار البغاة لا تجوز عندنا حبسها عنهم ما رجا المسلمون الظفر بهم بدون ذلك، وأما إذا لم يرج المسلمون الظفر بهم إلا بحبسها عنهم، فما وجه الحجر له، والتخطئة لفاعله؟! وأيّ شيء خصّصه من هذه الجملة، وهو داخل فيها، كيف وأبو المنذر ? قد أعقب كلامه بما يؤكد جواز ذلك؟! ألا تراه يقول: "وقطع المواد عنهم، وحبس المياه والأطعمة عنهم"، والأنهار داخلة في المياه حتى يقوم 193 س الدليل بغير ذلك.
فإن قال قائل: إنما يكون للشراب؛ لأنه مثل الطعمة، دون ما يسقى به الأموال؟ قلنا: من أين جاز حبس الأطعمة، وحجر حبس ما به الأطعمة، فلا يجد إن شاء الله دليلا، ثمّ إنا قد رَفع إلينا بعض أصحابنا عن أبي بكر أحمد بن محمد بن صالح أنه أفتى بجواز ذلك في كسر (ح: حبس) أفلاج السرّ فقال: إن كانوا لا يقدرون على ماء للشراب، فينادى عليهم أن من لم يكن باغيا فليخرج، ثم تحبس المياه عنهم بعد ذلك، وإن كانوا يقدرون على ماء للشراب، فلا بأس بكسر أنهارهم وإن ادّعى مدّع منهم رجوعه عن ذلك، فغير مقبول ذلك منه، كما لم يقبل الإمام غسّان بن عبد الله من سليمان بن عثمان لما أفتى بجواز إخراج ساقية النهر إذا ذهبت ساقيته في أموال الناس بقيمة العدول، ولو كرهوا، ثم رجع عن ذلك لَمّا أن حكم الإمام لأهل الحطم بإخراج ساقية لفلجهم في أرض أهل نزوى، لما احتاج السبيل ساقيته، فلم يقبل الإمام ذلك منه، وبالله التوفيق.
فإن قال قائل: ما أنكرت أن لا يجوز ذلك؛ لأن أموال البغاة من أهل القبلة حرام؛ ولأنّ فيها لمن ليس يباع على المسلمين مثل الغائب واليتيم والذاهب العقل