الجزء 89
الجزء ٨٩ · صفحة ٣٣٧في أي سورة، وفي أي آية، وفي أي سنة، وفي أي رواية، حتى نجيبه على ذلك بالحجج القوية الواضحة، والدلائل النيّرة اللائحة، فإن للعلم تفسيرا وتأويلا، كما أن للقرآن والسنة تفسيرا أو تأويلا، فمن حمل جميع ذلك على ظاهره زلّ، ومن لم يوفّق لمعرفته ضلّ، فلعله وجد قولا مجملا، أو معنى محتملا فيه لم يهتد إلى تفسيره، ولم يصل إلى معرفة تعبيره، وما كنا نحب لناصح أن يتفوّه لإخوانه بهذه المقالة، فيوجب نسبه إلى الخطأ والجهالة، لكن اللسان ترجمان القلب، يخبر عما فيه، والله أعلم، وبه التوفيق.
وأما قوله: "الذين قد سميتموهم بغاة، قبل أن تتبينوا بغيهم"، فإن بغيهم ظاهر العيان، لا يحتاج إلى إشاعة وبيان، ولن يخلوا هذا القائل من أن يكون قد عرف بغيهم أو لم يعرف، فإن كان لا يعرف ذلك /199 م/ فمن لم يعرف بغي هؤلاء القوم المعاندين للجماعة، المفارقين لأهل الطاعة، المضادّين للمسلمين، الرافعين راية الضلال أيضا على الدين، فكيف يعرف أن كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وإجماع المسلمين يحرمون علينا هذه الأحداث، إن هذا القول مختلف، يوفك عنه من أفك، أمَا سمع أن أبا بكر الصديق ? كان يقول: "لو منعوني عقالا مما أعطوه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لجاهدتهم عليه ولو بنفسي"، وهؤلاء القوم قد منعوا ذلك، وبدأوا بالحرب، فما هذا الارتياب والشك، وما هذا التمويه والإفك، وإن كان قد عرف ذلك فما وجه هذا الكلام، وعلام يا قوم هذا الملام، وبغي هؤلاء القوم(1) شاهر ظاهر لا يخفى على ذي لب نصح لله في إيمانه، ورجا ثواب الله في غفرانه، فهل سمعتم أحدا من المسلمين قال: إنه لا يجوز محاربة البغاة حتى
(1) في النسختين: قوم.