الجزء 09
الجزء ٩ · صفحة ١٢٧للاصطفاء والارتضاء من ظهر منه الإدمان على مخالفة ما عليه إجماع أهل القبلة قولا وفعلا.
وأمّا من ترك النوافل، ولم يتنفل بشيء من النوافل من الصلاة ولا غيرها من الوسائل، ممّا لم تثبت فيه سنة، وما يشبهها، أو ما يجتمع عليه من سائر الوسائل والفضائل، فإن فعل ذلك رغبة عن الفضل من غير استخفاف لثواب، ولا نقص لفعال؛ فمعي أنّه قيل في جملة ما قيل في تارك الوسائل هذا إنه خسيس الحال إذا رغب عن الأفضال التي به شهرا للمتداومين عليه، والسابقين إليه، المنزلة الرفيعة من ثبوت اسم العباد والزهاد؛ لأنّه إنّما يثبت في هذا الاسم في ظاهر الحكم مع العامة والخاصة، لمن عرف منهم، وبان منهم كثرة الوسائل والفضائل في 77 س ذلك من التعبد بالوسائل من الصوم والصلاة، وترك المحارم، وما يشبهه من الآثام والزهادة فيما رغب فيه من أداء الفرائض واللّوازم من طلب الأرزاق، والتوسع في الإنفاق، والرَّفَّة(1) في المطاعم والمشارب، والمناكح والملابس، إن كان حلالا في الأصل، وكان فاعله عابدا وزاهدا في الأصل؛ فإنه لا يثبت له اسم الزهادة والعبادة، فمن رغب عن الفضل لم يكن فاضلا، وكان خسيسا عن حال الفضل الذي بلغ إليه غيره.
وأحسب أنّه قيل عن بعض الفقهاء: إنّه لا يتولى من لم يوص إلاّ اللازم. وأحسب أنّه قيل: ولم ينته إلاّ عن المحارم، فذلك يخرج إذا كان لا يتولى من لم يؤد إلاّ اللوازم، كان مثله فيمن لم ينته إلا عن المحارم؛ لأن هنالك أشياء يدخل الريب، ولو لم يكن شيء يظهر منه من الغيب، والمستراب لا يطيب مشربه
(1) الرَّفَّةُ: الأَكْلَةُ المُحْكَمةُ. والرَّفُّ: الإكْثارُ من الأَكل. انظر: لسان العرب: مادة (رفف).