الجزء 01
الجزء ١ · صفحة ٣٨٩في الظاهر كلها عدلا" لم يبن لي معنى ما أراد هذا القائل، وكان القول ينقض بعضه بعضا، وكان معناه يخرج على إبطال الرأي من الدين، وإبطال قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أصحابي كالنجوم؛ بأيهم اقتديتم اهتديتم»(1) فكيف يكون مهتديا في الظاهر 206 س مخطئا في الحقيقة عند الله؟ وقد قال الله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء:78]. ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:79]، ثم قال مدحا للجميع، المخطيء والمصيب: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:79]؛ فهذا في الخطأ في الرأي، فكيف إذا كانوا كلهم مصيبين؟ أرأيت إذا اختلف عشرة أنفس في حادثة؛ وكان مما يجوز فيها القول بالرأي، وكانوا كلهم من أهل الرأي، وأهل علم وفقه ونظر وبصر، وقال كل واحد منهم باجتهاد نظره، ولم يتفق اثنان منهم على معنى واحد، بل اختلفوا كلهم، وكانت أقاويلهم كلها خارجة على معنى العدل متساوية؛ فهل يجوز أن يكون العامل بها، أو بشيء منها مخطئا عند الله؟ وقد قال الله تعالى: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ [الزُّمَر:22]؛ فكيف من كان على نور ربه مخطئا عنده في الحقيقة؟ وقد قال الله: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام:125] وبيان عدل الأقاويل انشراح الصدر؛ وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله لوابصة، وقد سأله عن البر؛ فكأنه على حسب قوله: «ما اطمأن إليه القلب؛ فهو البر، وما حاك في
(1) أخرجه الآجري في الشريعة، رقم: 1166؛ وابن بطة في الإبانة الكبرى، رقم: 702؛ وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، رقم: 1760.