الجزء 09
الجزء ٩ · صفحة ٢٠٢وقد قامت لهم الأدلة عليها، ولو جهلوا معرفة القبلة بتلك الأدلة؛ لأن تلك الأدلة حجة عليهم، فليس لهم أن يتركوها /127 م/ إذا جهلوها، وحجة الله قائمة على من جهلها أو علمها، لا يعذر أحد بمخالفة الحجة.
فانظر في هذا الشيء الخفي من هذه الأدلة على القبلة التي عندي أنها تخفى على أكثر الناس، إلا من شاء الله، كيف قامت به الحجة ولم يعذر بالتحري للقبلة، وكان عليه التوجيه إليها، والاستقبال لها، ومعرفة الحق هاهنا عندي أن لم يكن أخفى من معرفة الحق عند اختلاف العلماء، وتفسير العلماء المحقين للحق الذي اختلفوا فيه، فليس هو بدونه إلاّ ما شاء الله، فإذا كانت الحجة تقوم بهذه الأشياء الخفيات من دلائل القبلة، فبالعلماء المحقين، ولو خالفهم غيرهم من العلماء المبطلين أحرى وأولى أن تقوم بهم، والله أعلم.
وقال من قال: لا تقوم الحجة إلا بأهل الأمانة ولو لم يكونوا من العلماء، ولو كانوا ضعفاء المسلمين، ولا تقوم الحجة بأهل الخيانة، ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا، فانظر في هذا إن شاء الله.
وأما ما كانت تقوم به الحجة من العقل، مثل توحيد الله وصفاته، ووعده ووعيده، فقد قيل: إن الحجة تقوم به عليه من عقله، وينقطع عذره به 127 س فيه، وعليه معرفة الحق في ذلك.
وهذا الفصل بحر تغرق فيه العقول، ويكاد يغرقه إلا من هداه الله لمعرفته، وهو شيء خفي تحار فيه الأفكار، فانظر كيف جعلوا عقله حجة في ذلك عند حضوره بعقله، ولو لم يسمعه من أحد، فإذا خطر بباله شيء من ذلك، أو سمع بذكره، أو نظره من أثر، أو تأدى إليه علمه بوجه من الوجوه؛ فعليه معرفة الحق من ذلك، ولا يسعه الشك في ذلك، ولا الوقوف فيه، ولا يعذر بالدينونة